المدينة اليومالحالة
القدس7
رام الله7
نابلس9
جنين11
الخليل6
غزة12
رفح13
العملة السعر
دولار امريكي3.6452
دينار اردني5.1414
يورو4.2065
جنيه مصري0.204
ريال سعودي0.972
درهم اماراتي0.9925
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2012-11-02 19:12:51

حج مبرور وسعي مشكور وذنب مغفور

هذا هو الإسلام
حج مبرور وسعي مشكور وذنب مغفور


هنيئاً لكم يا حجاج بيت الله الحرام الفضل العظيم من ربكم ، هنيئاً لكم يا وفد الرحمن أن أتممتم مناسككم وأديتم فريضتكم ، وحمداً لله على سلامة عودتكم ، والعاقبة لكل مسلم بعدكم أن يبلغ الديار المقدسة التي بلغتم .
الحج عبادة روحية وبدنية ومالية ، زُيِّنت بمحاسن الأخلاق والآداب ، وأولها أن الحاج ينبغي له أن يكون بعد رجوعه أفضل مما كان , بازدياد صلاحه وإقباله على الخير والبعد عن الشر , فهذا من علامات قبول حجه ، فإن لصلاح العمل آيات ولقبوله علامات ، وقد قال علماء السلف : إنَّ من علامات قبول الحسنة التوفيق للحسنة بعدها ، ومن علامات عدم قبول الحسنة أن تُتبع بالسيئة ، فعلامة بر الحج أن يزداد الحاج بعده خيراً ، وألاَّ يعاود المعاصي ، فهذا هو الحج المبرور الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم { الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة } رواه البخاري ، ومن الحج المبرور الخالص المقبول عند الله تعالى أن يرجع الحاج زاهداً في الدنيا وما فيها ، راغباً بالآخرة مقبلاً عليها ، كيف وقد عاهد الله في كل المناسك التي أداها على الاستقامة ، فقد أعلن بالتلبية إقباله على الله وانقياده له ، وبالطواف أعلن تصميمه على التمسك بشريعته والعمل لإعلاء كلمته ، وبرمي الجمار أعلن محاربة قوى الشر والطغيان ، وبالنحر أعلن التضحية والفداء ، وبتقبيل الحجر الأسود عاهد الله تعالى على الالتزام بشرعه وهديه .
فليحرص الحاج على إرضاء ربه وطاعة أمره واجتناب نهيه ، وليحذر أن يبطل عمله أو يضيع أجره ، وليحفظ ما أكرمه الله به من مغفرة الذنب وقبول التوب ، وليداوم على استقامته وعبادته ، وليلتزم بالتقوى في القول والعمل ، قال تعالى { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } المائدة 93 ، فالتقوى خير زاد للروح والفؤاد ، ويتأكد ذلك إذا بلغت درجة الإحسان ، والإحسان في العبادة { أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك } رواه مسلم ، أما الإحسان في المعاملة فهو مقابلة الإساءة بالإحسان والحسنة بأحسن منها ، قال تعالى { هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ } الرحمن60 .
وعليه ألاّ يقطع الصلة مع هذه الهدية الثمينة التي أكرمه ربه عز وجل بها بمغادرته الأرض المقدسة ، بل يبدأ حياةً جديدة يكون فيها قدوةً لأهله وأقاربه وجيرانه في التزام العمل الصالح ، والمحافظة على الفرائض وترك المحرمات ، ومصاحبة أهل التقى والصلاح ، وليعلم أن تجديد المعاصي والإصرار على نقض التوبة من أكبر الكبائر ، بل هو الكفر والردة بعينها ، قال تعالى { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } النساء 137 .
وليكثر من الدعاء والذكر والشكر، قال تعالى { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } البقرة 200-202 .
ويفضل للحاج التعجيل في العودة وعدم إطالة الغيبة عن الأهل من غير حاجة بعد قضاء فريضته ، وأن لا يتأخر انشغالاً بما ليس مهماً ، فإذا بدأت رحلة عودته إلى والوطن والديار :
* فيستحب له أن يدعو دعاء العودة من السفر فيقول { سُبْحانَ الَّذِي سخَّر لَنَا هَذا وَما كُنَّا لَهُ مُقرِنِينَ * وإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البِرَّ والتَّقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هوِّن علينا سفرنا هذا واطو عنَّا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إنِّي أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل ، آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون } رواه مسلم .
* فإذا رأى بلدته اقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم { فيكبر ثلاثاً ثم يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون } رواه البخاري .
* ويحسن بالحاج وبالمسافر عموماً ألاَّ يقدم على أهله ليلاً إلاَّ إذا بلغهم بذلك وأخبرهم بوقت قدومه ; لقوله صلى الله عليه وسلم { إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلاً } رواه البخاري ، وما أيسر ذلك اليوم مع توفر وتطوُّر وسائل الاتصال ، * ويندب له أن يبتدئ بالمسجد الذي بجوار بيته ويصلي فيه ركعتين ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا يقدم من سفر إلا في الضحى فيبدأ بالمسجد فيصلي فيه ركعتين ويقعد فيه } رواه البخاري .
* فإذا دخل بيته يستحب له أن يدعو بقوله { توباً توباً لربنا أوباً لا يغادر علينا حوباً } رواه أحمد .
* ويستحب له أن يلاطف الأطفال والصغار من أهل بيته وجيرانه ، وأن يحسن إليهم إذا استقبلوه ، قال عبد الله بن جعفر رضي الله عنه { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر تلقاه صبيان أهل بيته وإنه قدم من سفر فحملني بين يديه ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه حتى دخلنا المدينة } رواه مسلم .
ويسن لمن يسلم على الحاج أن يصافحه ويعانقه ، فقد كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إذا تلاقوا تصافحوا وإذا قدموا من سفر تعانقوا ، وروي أنه صلى الله عليه وسلم { وجّهَ جعفر بن أبي طالب إلى بلاد الحبشة فلما قدم منها اعتنقه النبي صلى الله عليه وسلم وقبل بين عينيه } رواه الحاكم ، ويندب له أن يدعو للحاج بقوله { تقبل الله نسكك وأعظم أجرك وأخلف نفقتك } رواه عبد الرزاق ، وأن يطلب منه الاستغفار له . ويستحب للحاج أن يدعو له بالمغفرة فإنه مرجو الإجابة ، قال صلى الله عليه وسلم { اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج } رواه البيهقي .
* وتستحب الهدية وبالأخص للأطفال والخاصة من الأهل والأصحاب , فإن الأعين تمتد إلى القادم من السفر، والقلوب تفرح به ، وفي الهدية تطييب القلوب وإزالة الشحناء , ويستحب قبولها والإثابة عليها بالدعاء له , ويكره ردها لغير مانع شرعي ، قال صلى الله عليه وسلم { تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء } رواه مالك ، وكان صلى الله عليه وسلم { يقبل الهدية ويثيب عليها } رواه البخاري . ولكن ينبغي تجنب الإسراف فيها أو تكليف النفس فوق طاقتها ، والأفضل تخير الهدية مما ينتفع به . وأشهر هدايا الحجاج ماء زمزم لمن استطاع حمله ، قال صلى الله عليه وسلم { إنها مباركة، إنها طعام طعم } رواه مسلم .
لكن القادمين من الحج أو العمرة اعتادوا تقديم الكثير من الهدايا غير النافعة للوفود التي تحضر لتهنئتهم والسلام عليهم ، والتي تكثر بكثرة ما يهنئون من الحجاج ؛ كالمصاحف الصغيرة التي تتعذر القراءة منها فتصبح مهجورة ، وهذا ما حذر منه القرآن الكريم بقوله تعالى { وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا } الفرقان30 ، وكسجاجيد الصلاة التي تتكدس عند الزوار الذين يندر استخدامهم لها في صلاتهم ، وكالمسابح والمساويك التي لا يواظب كثيرون اليوم على استعمالها ، وأمثال ذلك مما يعتبر إهداراً للأموال العامة والخاصة بغير طائل إلاَّ الدعاء الوقتي للحاج ، ثم يؤول الأمر إلى النسيان .
* ويسن له جمع الأصحاب وإطعامهم عند القدوم من السفر { فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة نحر جزوراً أو بقرة } رواه البخاري . وينبغي للحاج ألاَّ يغالي في هذه الوليمة أو يبالغ في نفقاتها أو يجعلها للرياء والمباهاة .
وفي هذه الظروف الاقتصادية والحصار الظالم المفروض على شعبنا حري بنا الاتصاف بالتوسط والاعتدال في هذه النفقات ، وبالأخص أن كثيراً من الناس في الظروف العادية يحجمون عن أداء فريضة الحج ويحرمون أنفسهم من ثواب هذه العبادة بسبب التكاليف الباهظة التي ترافقها ؛ من هدايا وولائم ونفقات لا مبرر لها إلاَّ العادات والتقاليد التي ألزموا أنفسهم بها فأصبحت من الواجبات التي تثقل كاهلهم وتعرضهم للانتقاد إن هم قصروا فيها ، وتكلفهم ما لا يطيقون ، قال تعالى { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } البقرة 286 .
ومن أراد الثواب ومضاعفة الجزاء ؛ فلينفق هذه المبالغ على المساكين والفقراء الذين يعانون من البأساء والضراء ، فهذا هو التكافل بين المؤمنين الذي أوجبه عليهم الدين في الطوارئ والكوارث والنوازل ،
ومما اعتاد عليه الناس المحتفلون بعودة الحجاج أو الأعراس إطلاق أعيرة الذخيرة الحية أو الألعاب النارية والمفرقعات ، فنناشد الجميع الإقلاع عن هذا السلوك السلبي الخطير ؛ الذي يدخل الفزع في قلوب المرضى من المسنين ، ويرعب الآمنين ، فإطلاق النار واستعمال السلاح إنما هو للحرب والجهاد ، ولا يكون في الأمن والأفراح .
* ويستحب للحجاج المحافظة على علاقاتهم مع بعضهم ما أمكنهم ذلك ، فلا شك أن المجموعة التي حجت معاً توثقت العلاقات الطيبة بين أفرادها ، إذ إن الحج ليس سفراً كسائر الأسفار، فلا بد من تعميق الاتصال أياً كان نوعه بينهم للإبقاء على ذكريات الحج ماثلة في أذهانهم وقلوبهم وأرواحهم .
وفي الختام نتمنى للحجاج عوداً محموداً ، ونقول لهم : حج مبرور وسعي مشكور وذنب مغفور وتجارة لن تبور إن شاء الله ، ونسأله سبحانه وتعالى أن يغمر الجميع بفضله وكرمه ورحمته التي وسعت كل شيء .

الشيخ الدكتور تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين/رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً


مواضيع ذات صلة