المدينة اليومالحالة
القدس7
رام الله7
نابلس9
جنين11
الخليل6
غزة12
رفح13
العملة السعر
دولار امريكي3.6452
دينار اردني5.1414
يورو4.2065
جنيه مصري0.204
ريال سعودي0.972
درهم اماراتي0.9925
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2013-03-21 08:54:30

رسالةٌ فلسطينيةٌ إلى الرئيس الأمريكي أوباما بمناسبة زيارته إلى القدس

هذا هو الإسلام
رسالةٌ فلسطينيةٌ إلى الرئيس الأمريكي أوباما بمناسبة زيارته إلى القدس

الرئيس أوباما
ظهر الأربعاء الماضي حطت طائرتك على أرض فلسطين ، وبمناسبة زيارتك الحالية إلى مدينة القدس أرض النبوات ومهد الحضارات ومهبط الرسالات ، أود أن أبين لك الحقائق التالية :
1- القدس جزء من عقيدة الأمة الإسلامية بقرار رباني من فوق سبع سماوات ، قال تعالى { سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير } الإسراء 1 ؛ فهي مسرى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي مسجدها صلى ليلة الإسراء إماماً بسائر الأنبياء والمرسلين من لدن سيدنا آدم إلى سيدنا عيسى عليهم السلام ، وهذا اعتراف منهم وتصديق بأن هذه الرض أرض إسلامية ، وهي مرتبطة ارتباطاً عقدياً ببيت الله الحرام في مكة المكرمة وبالمسجد النبوي في المدينة المنورة ، وهذه المكانة لا يمكن أن تلغيها أو تؤثر فيها مواقف سياسية أو قرارات بشرية أو إجراءات احتلالية من غاصبيها .
2- والقدس ـ كما تعلم وكما أقرت الشرعية الدولية ـ مدينة عربية إسلامية محتلة كسائر المدن الفلسطينية التي وقعت في قبضة الاحتلال الإسرائيلي عام 1967م ، وتنطبق عليها جميع القرارات الدولية ذات الصلة الصادرة عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة وعن مجلس الأمن الدولي ؛ والتي تنص على وجوب انسحاب إسرائيل منها وإعادتها إلى أهلها الفلسطينيين ، وهي قرارات مستندة إلى القوانين والمعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية ، وما زال المجتمع الدولي يحافظ على مكانتها هذه ولم يعترف حتى الآن بضمها إلى الاحتلال أو بأنها عاصمة كيانه الغاصب ، فيجب مراعاة ذلك والالتزام به لأن أي خطأ سياسي بهذا الخصوص سيؤدي إلى كارثة في المنطقة وفوضى لا يعلم عواقبها إلا الله .
أما إسرائيل فقد ضربت بكل ذلك عُرض الحائط ، وضمت المدينة المقدسة إلى كيانها عام 1980م بقرار باطل لمخالفته الشرعية الدولية وحق الشعب الفلسطيني الثابت فيها . ولم تكتفِ بذلك ؛ بل أمعنت في عدوانها على المدينة المقدسة بمحاولة تغيير هويتها وطمس معالمها الحضارية العربية والإسلامية : فهدمت عمائرها وأبنيتها التاريخية والأثرية ، حتى مقابرها لم تسلم من التهويد كما هو حاصل في مقبرة مأمن الله ، وصادرت أراضي أهلها وهدمت بيوتهم ومنعتهم البناء ، وفرضت الضرائب الباهظة عليهم وسحبت هوياتهم لإرغامهم على الهجرة منها قسراً بهدف إحداث خلل ديموغرافي فيها لصالح اليهود ولتحويلها إلى مدينة يهودية ، وصادرت المساحات الشاسعة من الأراضي الواقعة في محيطها وحولتها إلى حدائق توراتية تمهيداً لإقامة المستوطنات والكنس اليهودية عليها ، وصادرت كثيراً من بيوت أهلها وطردتهم منها وأسكنت فيها غلاة اليهود في انتهاك صارخ لكل القيم الدينية والقانونية والأخلاقية والإنسانية ، وفي جريمة تطهير عرقي ومذبحة حضارية لم يشهد التاريخ مثيلاً لها ، وذلك لإحداث تغيير في مكانتها العقدية والتاريخية والجغرافية .
يضاف إلى ذلك إقامة جدار الفصل العنصري الذي الْتهم مساحات شاسعة من أراضيها وأراضي الضفة الغربية ، وحوَّل مدنها وقراها إلى سجون كبيرة وعزلها عن محيطها الفلسطيني على الرُّغم من قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي بهدمه وتعويض الفلسطينيين عن الأضرار التي ألْحقها بهم لمخالفته القوانين الدولية ، ولكن إسرائيل تجاهلت هذا القرار كغيره من القرارات الدولية ؛ فواصلت وتواصل بناءه غير عابئة بالشرعية الدولية ، وأقامت الحواجز العسكرية ، وفرضت الحصار المتواصل على الشعب الفلسطيني مما أدى إلى تدمير البنى التحتية بما يخالف اتفاقية جنيف الرابعة .
3- مدينة القدس هي العاصمة الروحية والدينية والتاريخية والوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني :
* ففيها المسجد الأقصى المبارك؛ والذي يعتبر من أقدس المقدسات الإسلامية ، ويرتبط جميع المسلمين في العالم به ارتباطاً عقائدياً ؛ فبالإضافة إلى كونه مسرى رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، فهو قبلتهم الأولى ، وهو ثاني مسجد بني على وجه الأرض بعد البيت العتيق .
* وفيها أيضاً كنيسة القيامة؛ والتي لها مكانة روحية عالية لدى المسيحيين في العالم .
وعلى الرغم من ذلك فإن حكومة إسرائيل تعتدي على حق الفلسطينيين في ممارسة شعائرهم الدينية في القدس ، وعلى حريتهم في العبادة التي كفلتها الشرائع الإلهية والمواثيق والقوانين الدولية ، فتمنع المسلمين والمسيحيين منهم دخول المدينة المقدسة والصلاة في المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة ؛ في الوقت الذي تسمح فيه للجماعات اليهودية المتطرفة وغلاة المستوطنين وشخصياتها السياسية والقيادية باقتحام ساحاته ليسرحوا ويمرحوا ويصولوا ويجولوا ويجوسوا فيها كما يشاءون ، ووفرت لهم التغطية الأمنية والحماية الكاملة ، بل وشاركتهم وتناوبت معهم بجنودها ومجنداتها في اقتحامه يومياُ لاستفزاز مشاعر المسلمين الدينية في العالم .
وعلاوة على ذلك فإنها تتدخل في شؤون مقدساتهم وتنتهك حرمتها ، وأكبر مثال على ذلك الحفريات المتواصلة تحت أساسات المسجد الأقصى المبارك وفي محيط باب المغاربة بهدف تزوير التاريخ ؛ مما أثر على بنيان المسجد وتسبب في تصدع بعض جدرانه وأسواره وانهيار أجزاء منها ، يأتي ذلك تنفيذاً لمخطط ممنهج ومدروس يرمي إلى تقويض أركانه من القواعد وإقامة هيكلهم المزعوم مكانه ، يؤكد ذلك إقامة الكنس اليهودية ملاصقة له وفي جواره ومحيطه .
4- أؤكد لك أن أي مساس بالمسجد الأقصى المبارك وأي انتهاك لحرمته أو اعتداء على قدسيته سيؤدي إلى نتائج كارثية في المنطقة ، لأن المسلمين اليوم في جميع أنحاء العالم لن يسكتوا أبداً كما في الماضي عن أي مساس بمسجدهم وعقيدتهم ؛ مما يهدد الأمن والسلام في هذه المنطقة مما سينعكس على العالم كله .
إن حق الشعب الفلسطيني الديني والتاريخي والسياسي في مدينة القدس ثابت وغير قابل للتصرف فيه أو التفاوض عليه أو التنازل عنه ، وهو تماماً كحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وأراضيهم التي هجروا منها قسراً بقوة الحديد والنار ؛ وفقاً لقرار الأمم المتحدة رقم (194) ، وإن ما تقوم به إسرائيل ضد مدينة القدس وأهلها ومقدساتها يقوّض الجهود المبذولة لإحلال السلام في المنطقة .
إن الوضع الصعب في القدس خصوصاً وفي فلسطين عموماً يقتضينا المصارحة ؛ ذلك أن شعور مئات الملايين من المسلمين بالظلم والكراهية ضد الولايات المتحدة الأمريكية مبعثه دعم الإدارة الأمريكية غير المحدود لإسرائيل، وانحيازها الكامل إليها على الرُّغم من خروجها على الشرعية الدولية ، ودموية ممارساتها ، وإجراءاتها الاحتلالية ، واعتقالها الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني بغير حق أو شرع أو قانون ، واعتداءاتها على حقوق الإنسان ، مما شجعها على الاستمرار في الانتهاكات الخطيرة والممارسات التعسفية والمجازر الوحشية التي ترتكبها في فلسطين ؛ ليقينها أنها في مأمن من الملاحقة والمساءلة بفضل مساندة ودعم الولايات المتحدة الدائم لها .
وإنني أؤكد أيضاً أن الهدوء والأمن والاستقرار في المنطقة والعالم بأسره لن يعم أبداً إلاَّ بأن يسود السلام العادل والمشرف في فلسطين بتحقيق وتلبية جميع الحقوق الفلسطينية العادلة الثابتة ؛ وفي مقدمتها حقهم بزوال الاحتلال ورحيل المستوطنين المغتصبين ، وبنيل الحرية والاستقلال ، وإقامة دولته الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف ؛ الدولة ذات السيادة الكاملة على أراضيها ومقدساتها الإسلامية والمسيحية وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة .
إن تحقيق العدالة والسلام الذي وعدتَ به في بداية ولايتك الأولى خلال زيارتك القاهرة وأنقرة وغيرهما من العواصم الإسلامية ، وأثناء استضافتك بعض الشخصيات الإسلامية في البيت الأبيض ، ورأيك بوجوب تطبيع العلاقة مع العالم الإسلامي ؛ كل ذلك يقتضيك في هذه الزيارة التاريخية استنكار كل ما تقوم به إسرائيل من إجراءات وممارسات قمعية وغير قانونية ، والضغط عليها لتوقف انتهاكاتها لحقوق الشعب الفلسطيني وتدنيسها مقدساته ومساسها بحرمتها ، ولتفرج عن أبنائه الأسرى المختطفين والمعتقلين في أقبية الظلم والقهر ؛ وبالأخص المرضى منهم والمضربين عن الطعام منذ شهور طويلة احتجاجاً على سوء المعاملة والأحكام الظالمة والاعتقالات غير المشروعة .
هذه رسالة مني بما أمثل من مكانة ومنصب ودور ، رسالة واحد من بين ملايين الفلسطينيين ؛ لحقه الأذى الكبير والضرر كما لحقهم ، وعانى كثيراً هو وأسرته كما عانوا نتيجة مواقف الإدارة الأمريكية ودعمها اللامحدود للاحتلال الإسرائيلي الغاشم وانحيازها الكامل إليه ، ونتيجة كيلها بمكيالين في مواقفها السياسية والعسكرية .
رسالة آمل ألا تكون كغيرها من الرسائل ، وأن تجد أذناً صاغية متدبرة لما تتضمن وتحوي من حقائق وآمال ، لا أن يكون مصيرها النسيان أو الذهاب أدراج الرياح .
وآمل في زيارتك التاريخية هذه إلى القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة أن تصوب المسار السياسي للإدارة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية العادلة بالوقوف إلى جانب الشعب الرازح تحت الاحتلال ، ورفع المعاناة من ويلاته وبطشه وممارساته القمعية ، وبالوقوف إلى جانب الحق الفلسطيني الثابت الذي اعترف به العالم وأجمع عليه ـ باستثناء قلة قليلة من الدول في مقدمتها أمريكا ـ بالتصويت في الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة بتاريخ 29/11/2012م لصالح منح فلسطين صفة الدولة غير العضو فيها لكن بصفة مراقب ؛ في خطوة إيجابية على طريق نيلها العضوية الكاملة ومن ثم إنهاء الاحتلال .
لقد اشترطتَ على دولة فلسطين قبل عدة سنوات لوقف الاستيطان وقف التحريض ضد إسرائيل ـ الدولة المحتلة الغاصبة ـ وها قد أوقف التحريض ، فهل توقَّف الاستيطان ؟
على العكس من ذلك ؛ فقد ازدادت وتيرته واتسعت رقعته وازدادت إدارتكم دعماً وتأييداً لإسرائيل ، واستمرت إدارتكم في الوقوف ضد قرارات الشرعية الدولية التي تتغنى أمريكا بأنها الراعي لها والأمين عليها باستعمالها سلاح الفيتو ضد أي قرار بإدانة الاستيطان أو الدعوة إلى وقفه .
لقد التقيتَ بعد وصولك إلى هذه الأرض بقليل أطفالاً إسرائيليين ، أبناء المحتلين الذين ينعمون برغد العيش وبالحرية والاستقرار وبكل أسباب الرفاهية على حساب معاناة أطفالنا ، فهل تفكر بلقاء الأطفال الفلسطينيين الذين يرزح آباؤهم أو أمهاتهم في سجون الاحتلال ؟ هل تفكر بلقاء الأطفال الفلسطينيين الذين جعلتهم الأسلحة الأمريكية أيتاماً بالأيدي الإسرائيلية من جنود ومستوطنين ؟ هل تعرف كم أصبح عدد الأطفال الأيتام الفلسطينيين ؟ هل تفكر بلقاء الأمهات الثكالى وأرامل الشهداء وزوجات الأسرى ؟ هل تفكر بالتجول في شوارع المخيمات في مدينة بيت لحم ولقاء أهلها ؟
ليتك تلتقي كل هؤلاء لتلمس وتعلم مرارة العيش الذي يتجرعونه كل صباح ومساء بعد أن فقدوا الأب الحاني والراعي والمعيل ، بعد أن حرموا العيش في كنف أسرة آمنة مطمئنة ، أو في وطن مستقر يتمتع بالسيادة الكاملة على أرضه كغيرهم من أطفال العالم ، هذا العالم الذي لم يبق فيه احتلال أبداً سوى هذا الاحتلال الجاثم على صدورنا ، الرابض على أرضنا العربية الإسلامية المباركة .

الشيخ الدكتور تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين/رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً


مواضيع ذات صلة