2019-09-24الثلاثاء
المدينة اليومالحالة
القدس7
رام الله7
نابلس9
جنين11
الخليل6
غزة12
رفح13
العملة السعر
دولار امريكي3.6452
دينار اردني5.1414
يورو4.2065
جنيه مصري0.204
ريال سعودي0.972
درهم اماراتي0.9925
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2015-11-04 23:43:48

القوة الناعمة التي يمتلكها الفلسطينيون

الفلسطينيون لا يحتاجون إلى صواريخ فتاكة أو عتاد عسكري ضخم لتحقيق أهدافهم في العودة والحرية وتقرير المصير، ودولة الاحتلال تحتوي على نقاط ضعف بنيوية قاتلة بما يغني عن الحاجة إلى التفكير التقليدي في هزيمتها بمعركة عسكرية وجيش جرار، وطبيعة العالم تغيرت بما يخدم قضايا الشعوب العادلة. 

لقد تغير مفهوم القوة فلم تعد تعني امتلاك الأدوات العسكرية بالدرجة الأولى، بل هي شبكة متكاملة من الأدوات الاقتصادية والمعرفية والسياسية، لذلك رأينا دولا تمتلك القنبلة النووية، لكنها تئن تحت وطأة الجهل والتخلف مثل باكستان، ورأينا في المقابل دولا تنهض وتقيم العدل والاستقرار والرفاهية في بلدانها وتجلب الاستثمارات والاحترام بأدوات مدنية دون الحاجة إلى تسمين هذا الصنم المسمى جيشا وسلاحا مثل الدول الاسكندنافية وألمانيا.

إن العالم اليوم محكوم بشبكة علاقات متداخلة ما جعل خيار القوة العسكرية محكوما بمقيدات كثيرة، فحتى الدول القوية عسكريا ليست في أريحية في اللجوء إلى هذا الخيار، لأنها في النهاية تهتم باستقرارها ومصلحتها وعلاقاتها الاقتصادية التي يضر بها غالبا أي توتر عسكري أو سياسي، وهذا ما يمنح نقطة تفوق للقوى المدنية والحركات المناضلة في سبيل العدالة وحقوق الإنسان، ففلسفة المواجهة مع القوى الظالمة لا تقوم على مواجهتهم بقوة عسكرية مكافئة، بل تقوم على خلق بيئة تحرم هذه القوى من الاستفادة من تفوقها العسكري، وتمنعها من تطبيع وجودها اقتصاديا وسياسيا وثقافيا فلا تستطيع أن تعيش حياة طبيعية قائمة على الاستقرار.

في فلسطين تملك دولة الاحتلال التفوق العسكري بلا منازع، وقد أعدت إسرائيل نفسها منذ اليوم الأول لبيئة مليئة بالمخاطر الأمنية والعسكرية المحدقة، لذلك فإن إسرائيل جينيا مهيئة لمواجهة الحروب والتهديدات الأمنية التقليدية، لكن الدولة ذاتها التي استطاعت هزيمة الجيوش العربية في ست ساعات عام 1967 تقف عاجزة عن مواجهة سكين يحمله شاب فلسطيني، كما أنها تقف مرتبكة في مواجهة حملات المقاطعة الدولية المتزايدة التي تهدف إلى نزع شرعيتها، وإظهار طابعها العنصري المشابه لنظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا.

في الأسبوع الماضي صادق الكابينيت الإسرائيلي على إنشاء وزارة جديدة اسمها "وزارة مواجهة مقاطعة إسرائيل" في مؤشر على مدى شعور دولة الاحتلال بالقلق من تنامي المقاطعة الدولية لها، هذا القلق متفهم بالنظر إلى بنية دولة الاحتلال، وبنية دول العالم عموما، فإسرائيل لا تستطيع أن تحيا بتفوقها العسكري وحده، بل تحتاج إلى أن تشعر بأنها دولة طبيعية في هذا العالم، وأن تنجح في إقامة علاقات اقتصادية وثقافية طبيعية، وما لم تنجح دولة الاحتلال في هذا الهدف فإنها ستتحول إلى بؤرة معزولة طاردة للإقامة والاستثمار..

هنا يأتي ذكاء فكرة المقاطعة، فهي تلوي ذراع إسرائيل حين تنشط في سحب الاستثمارات منها وتشجيع الشركات والشخصيات المؤثرة حول العالم على مقاطعتها بما يعزز صورة إسرائيل بأنها دولة فصل عنصري لا مكان لها في عالم تتعزز فيه الحريات المدنية وحقوق الناس.

إسرائيل تمشي في الاتجاه المعاكس للتاريخ، فالعالم اليوم متداخل منفتح بينما إسرائيل لا تزال تعيش بنفسية الفيتو فتقيم الجدران العازلة في غزة والضفة، وتفكر الآن بإقامتها في القدس وفلسطين الداخل..

دول العالم تقوم اليوم على أساس الحقوق المتساوية لكل المواطنين، وإسرائيل لا تزال تعيش وهم القومية، فتتحدث عن دولة لليهود وحدهم وتمارس التمييز العنصري ضد السكان الفلسطينيين، دول العالم تستقبل اللاجئين وتمنحهم الإقامة والجنسية، بينما إسرائيل تعتبر أي تخط لحدودها من قبل أي لاجئ فلسطيني مسالم أخطر عليها من الرصاص والقنابل. 

هذه نقطة الضعف القاتلة لإسرائيل، فهي دولة بلا عمق جغرافي وبلا قوة ديموغرافية يمكنها من الصمود في وجه موجة من الزحف السلمي من اللاجئين الفلسطينيين، وهي دولة تحمل بذور فنائها بتركيبتها العنصرية التي تمنعها من قبول صيغة تعايش إنساني على أساس المواطنة والحقوق المتساوية وتطبيق القرارات الدولية وأولها حق عودة اللاجئين إلى ديارهم.

إسرائيل قوية فقط لأننا غافلون عن عناصر قوتنا، هزيمة المشروع الإسرائيلي أيسر بكثير من التفكير التقليدي الذي يصور لنا أن علينا أن نمتلك ترسانة عسكرية ضخمة لنستطيع تحقيق أهدافنا الوطنية.. 

ماذا لو تمكن على سبيل المثال مليون لاجئ فلسطيني من التظاهر السلمي على حدود فلسطين من كافة الجهات، من لبنان وسوريا والأردن والضفة وغزة وفلسطين الداخل، ثم اقتحموا الحدود سلميا دون أن يلقي أحد منهم حجرا واحدا، واعتصموا داخل حدود فلسطين التاريخية مطالبين بتطبيق قرار الأمم المتحدة 194، وأعلنوا أنهم لن يخرجوا من ديارهم، ماذا سيكون بوسع دولة الاحتلال أن تفعل لمواجهة هذا السيناريو؟ هل ستقتل المئات منهم؟ ثم ماذا بعد ذلك؟ 

إن مثل هذا السيناريو يعني عمليا انهيار فكرة المشروع الصهيوني القائمة على النقاء العنصري وعلى وجود أغلبية يهودية داخل حدود فلسطين التاريخية، وسيكون الفلسطينيون مسلحين بالقرارات الدولية التي تعترف بحقهم في العودة إلى ديارهم التي أخرجوا منها عام 1948 كذلك سيصب في مصلحتهم السياق المتمثل في استقبال مئات آلاف اللاجئين في دول الاتحاد الأوروبي، وتجريم أي اعتداء على هؤلاء اللاجئين، فمن باب أولى أن يكون من حق أصحاب الأرض الأصليين العودة إلى ديارهم ما دامت هذه العودة سلمية.

إن السلاح الفتاك لمواجهة المشروع الصهيوني وتوجيه ضربات قاتلة إليه في العمق يتمثل في ميدانين مهمين:

الميدان الأول: تصعيد المواجهات الشعبية متمثلة في المسيرات و التوجه إلى الحواجز والمستوطنات وصولا إلى يوم الذروة المتمثل في مسيرات عودة يتوافق عليها الكل الفلسطيني تنطلق من كافة الجهات صوب الأراضي المحتلة عام 1948

الميدان الثاني: تعزيز حركة المقاطعة الدولية وسحب الاستثمارات التي تعمل على حرمان إسرائيل من تطبيع علاقاتها السياسية والاقتصادية وتدفع بها إلى مربع العزلة على غرار نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا الذي انتهى به المآل إلى الانهيار.

"ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون"



مواضيع ذات صلة