المدينة اليومالحالة
القدس7
رام الله7
نابلس9
جنين11
الخليل6
غزة12
رفح13
العملة السعر
دولار امريكي3.6452
دينار اردني5.1414
يورو4.2065
جنيه مصري0.204
ريال سعودي0.972
درهم اماراتي0.9925
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2015-12-16 20:32:06

حماس في عامها الثامن والعشرين.. المراجعة واجبة

تنقضي هذه الأيام ثمانية وعشرون عاما على البيان التأسيسي الأول الذي أصدره المؤسسون السبعة الأوائل لحركة المقاومة الإسلامية في إحدى ليالي كانون الباردة من عام 1987، معلنين ميلاد حركة فلسطينية جديدة ذات توجه إسلامي تهدف إلى تحرير فلسطين. قدمت حركة حماس إضافة نوعية للعمل الوطني الفلسطيني، وألهمت بنماذج التضحية والبطولة الفريدة أبناء الشعوب العربية والإسلامية، وساهم قادتها الشهداء مثل أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وعشرات آخرون في تأجيج شعلة الجهاد في نفوس المسلمين وأثبتت بعملياتها الرائدة كيف للإرادة العزلاء أن تنتصر على القوة المدججة، كذلك أبدعت حركة حماس في العمل الإغاثي فأدارت شبكة من المؤسسات الخيرية ترعى عشرات آلاف اليتامى والأرامل والفقراء وأهالي الشهداء والأسرى وتوفر لهم مقتضيات الحياة الكريمة وقد تركت الحركة أيادي بيضاء في مجال العمل الخيري في الساحة الفلسطينية لا ينكرها إلا جاحد.

في قانون الجماعات والحضارات فإن أي جماعة تمر بثلاث مراحل تاريخية عبر عنها ابن خلدون وأرنولد توينبي ومالك بن نبي بصيغ مختلفة جوهرها واحد، أما المرحلة الأولى فهي مرحلة الروح أو النخبة المبدعة، هذه المرحلة وقودها القادة المؤسسون الذين يعطون ولا يأخذون، ينطلقون بقوة الإيمان ويرون الأهداف الكبرى ماثلة أمامهم فلا يبالون في سبيل بلوغ هذه الأهداف بالمخاطرة بأشخاصهم ونكران ذواتهم ولا باختلال موازين القوى ضدهم، فتؤدي قوة الروح التي يتمتع بها هؤلاء السابقون السابقون إلى إلهام الناس واستثارة مخزون الخير في نفوسهم فتكتسب الفكرة مزيدا من المؤمنين بها وتمثل القوة الروحية للمؤسسين نقطة التحول التاريخية ورافعة الفكرة حتى تفرض نفسها أمرا واقعا غير قابل للتجاوز.

في المرحلة الثانية التي يسميها مالك بن نبي مرحلة العقل يكون هناك استقرار نسبي، ويستمر الإبداع لكن مع تراجع في قوة الروح، ومثال هذه المرحلة من تاريخنا هو العصران الأموي والعباسي اللذان شهدا إنجازات حضارية لكن الروح الدافعة لم تكن بقوة روح المجتمع المدني الأول، أما المرحلة الثالثة فهي إيذان بقرب آجال الأمم وأمارتها أن يميل الناس إلى حياة الترف وأن يشيع الكسل والاتكال والأخذ بدل العطاء والتقليد بدل التجديد وأن يعتاش الناس على أمجاد الماضي بدل أن يصنعوا أمجاد الحاضر وأن تقصر الطاقة الإبداعية عن ابتكار حلول خلاقة للتحديات المستجدة فتتوقف الجماعة عن أداء الوظيفة التاريخية المنوطة بها وتتحول إلى هيكل بيروقراطي متضخم يستهلك ولا ينتج.

هذا قانون تاريخي عام يسير على العرب والعجم والبربر، وفي ضوء هذا القانون ينبغي تشريح واقع حركة حماس كمثال، فالعاقل لا تسكره نشوة الإنجاز ولا يفترض أن الأيام ثابتة على حال واحدة وأن النفوس لن يطرأ عليها تغير وأن بطولة الماضي حصانة من زلل الحاضر، إنما يعلي منسوب الحذر مخافة أن تدركه سنن الذين من قبله وليراقب بوادر الحيد عن الطريق فيعالجها منذ بداياتها، والمنهج القرآني يركز على النقد طريقا للتزكية والتقوى: "قل هو من عند أنفسكم"، "بما كسبت أيديكم"، "إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم من الله شيئا"، "يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا"، "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم"، بل يطال هذا النقد أقدس الناس وأطهرهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فعشر آيات من سورة عبس تلوم محمدا لأنه أعرض عن أعمى مسكين ليس له أي سند اجتماعي. إن القرآن لا يقر منطق أن هذه تفاصيل ثانوية ينبغي تجاهلها في سبيل المحافظة على الصورة الكبيرة الجميلة، لأن طريق العظمة حسب الفلسفة القرآنية لا يكون إلا بالحساسية الأخلاقية تجاه أصغر التجاوزات، أما البطولة القائمة على تمرير الأخطاء وتبريرها فهي تفاقم التجاوزات حتى تحدق بأهلها فتهلكهم، وتنتج أصناما بشرية وحزبية يعبدون من دون الله.

في حركة حماس لا يزال هناك مخزون خير كثير يتمثل في أفراد مخلصين يسابقون نحو مواطن العطاء ولا يرضيهم الظلم والفساد، لكن في عناصر الواقع أيضا نجد جمودا فكريا وسياسيا يتسم به المخرج النهائي للجماعة يعبر عن نفسه بعجزها عن تجاوز مأزقها الذي وقعت فيه في قطاع غزة منذ حوالي عقد من الزمان، كما نجد أخطاء كثيرة شابت تجربة حكمها في قطاع غزة وفشلها في تقديم نموذج للعدالة والمساواة في تقاسم المعاناة، ونجد إحساسا عاما لدى الجمهور الغزاوي بأن بعض قادة الحركة لا يعيشون معهم معاناتهم رغم أن هؤلاء القادة هم من يتحملون مسئولية هذه المعاناة بسبب سوء التقدير السياسي، كما نجد غيابا لأي فكر نقدي داخل أروقة الحركة، فلم نسمع طوال تسع سنوات عن دراسة جادة واحدة تقيم تجربة دخول حركة حماس الحكم بطريقة علمية بعيدا عن التبرير والكلام الفضفاض الذي ينمق الواقع ويزوقه بدل أن يواجهه، وبعد مضي عام ونصف على الحرب المدمرة ضد قطاع غزة لم نر مراجعة واحدة لأداء الحركة السياسي قبل المعركة وأثناءها، وهل كانت هذه الحرب قدرا مفروضا لا مفر منه، أم أن هناك عوامل داخلية ساهمت في جلبها، ولماذا لم توافق الحركة على المبادرة المصرية في الأيام الأولى للحرب، حين كان عدد الشهداء مئة وعشرين شهيدا، ثم وافقت على لا شيء بعد شهرين من الدك العنيف للقطاع، وبعد ارتفاع ضحايا الحرب إلى ألفين ومئتي شهيد، ولماذا تعهدت الحركة بعدم إنهاء الحرب إلا بفتح المطار والميناء، ثم لم تنجح في فتح معبر رفح، ولا في حل مشكلة رواتب موظفيها، وكيف وقعت الحركة على اتفاقية الشاطئ دون تفاصيل واضحة؟ وكيف يخطط السياسيون داخل الحركة؟ وهل هناك جهات محاسبة ومراقبة على الأداء السياسي؟  

ندرك قسوة الواقع المحيط بحركة حماس، لكن قسوة هذا الواقع مستفز لحسن إدارته وحسن تقدير حدود الإمكانات وعدم التورط في تقديرات خاطئة يدفع الشعب ثمنها باهظا.

في الضفة الغربية لا وجود لحركة حماس في الحكم لكن تجربة الهبة الشعبية في الأشهر الثلاثة الأخيرة أثبتت غيابا كبيرا للجسم التنظيمي عن اتخاذ دور فاعل في تحريك الشارع وتأجيج ثورته، بل على العكس من ذلك استعملت دولة الاحتلال اسم التنظيم شماعة تهرب إليها أمام عجزها عن مواجهة الهبة الشعبية، وأثبت الطابع العفوي لمعظم العمليات الفدائية أن الشعب أسرع من التنظيمات في الاستجابة لمقتضيات المرحلة، وفي ضوء هذه الحالة يصبح السؤال مشروعا عن جدوى التنظيم في صورته الحالية، إذ إن جدوى وجود التنظيم هو مدى قدرته على قيادة الشعب في نضاله ضد الاحتلال وتعزيز هذا النضال، فإذا صار الشعب متقدما على التنظيمات فأي مبرر لبقائها بعد ذلك إن لم تكن قادرة على مراجعة فكرها التنظيمي والنضالي وإبداع وسائل أكثر مرونة وفاعلية؟

المراجعة الدائبة هي شأن العقلاء، والتنظيم وسيلة وليس مقصدا ولا مشكلة من حيث المبدأ أن يحل التنظيم كلية إن خلصت التقديرات الموضوعية إلى أنه لم يعد قادرا على تحقيق أهدافه بكفاءة. هدف التنظيم هو تحقيق أهداف وطنية، لذلك فإن مقياس تقييمه هو مدى نجاحه في الاقتراب من هذه الأهداف التي كان من أجلها، فإذا تبين أن مسار التنظيم وفكره وأدواته تبعد الشعب عن أهدافه أو تنصب معوقات في طريق هذه الأهداف أو تستنزف الشعب في تفاصيل مشغلة عن قضاياه الكبرى تحول التنظيم إلى عبء على الوطن، وفي هذه الحالة يصبح الإصرار على مركزية التنظيم تصنيما له وانحرافا عن الطريق الصحيح.

لا يعيب الحركات الكبرى أن تراجع استراتيجياتها وتواجه الواقع بشجاعة وقراءة علمية وتقول: لقد أصبنا هنا وأخفقنا هناك، وذكريات التأسيس في المجتمعات الحية فرصة للتقييم والتقويم وليس مجرد احتفالات ومهرجانات خطابية تسكر الجمهور لتشغلهم عن الأسئلة الرئيسة وتعزلهم عن نبض الواقع.

نحن مع حركة حماس، بمعنى أننا مع التمسك بالحقوق الوطنية وبأننا نرفض معاقبة الشعب الفلسطيني على اختياره وأننا مع الشجاعة في مواجهة العدو، لكننا أيضا مع حركة حماس التي تقيم العدل بين الناس ويشعر المواطنون بأن قادتها لا يعيشون في أبراج عاجية بعيدا عن معاناتهم وتتحلى بالمرونة الفكرية الكافية لاستيعاب المجتمع ولتطوير نفسها، وبالمرونة السياسية الكافية لتذليل العقبات.. نحن مع حركة حماس المبدعة القادرة على تجديد نفسها دائما لمواكبة مستجدات الواقع والقادرة على ابتكار أفكار وأدوات جديدة تساهم في تقريبنا من أهدافنا الوطنية.

أحمد أبورتيمة



مواضيع ذات صلة