2017-12-11الإثنين
المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.509
دينار اردني4.96
يورو4.081
جنيه مصري0.199
ريال سعودي0.936
درهم اماراتي0.956
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2017-10-08 23:43:37

المصالحة الضيقة حد التمزق

منذ أن بدأ ماراثون الزيارات إلى مصر الشهر الماضي كان واضحا أن هنالك تغير في الموقف المصري تجاه الوضع في قطاع غزة ، استشعرت مصر أن الضغط على حماس في غزة لن يصب في صالح تحسن الوضع في سيناء ، ولن يجعل حماس تأتي صاغرة لتخضع للشروط الإملائية ، وليس ذلك في إشارة لمنطق القوة ، وإنما لرؤية المكابرة والعناد عند التعرض للضغوط الشديدة، لذلك وبعد أن يئست مصر من تصالح أبو مازن ودحلان لتشكيل قوة فتحاوية موحدة ضاغطة على حماس سياسيا لإيجاد حلول حاسمة ، لجأت للتفاهم مع حماس من خلال أولويات الأمن المصري ، ومن خلال المصالح الإقليمية المبرمجة للمرحلة القادمة .
وفي ضوء الحوارات بين مصر وحماس فاجأت حماس الجميع بإعلانها حل اللجنة الإدارية التي تشكلت قبل أشهر ، مع أن هذه اللجنة فعليا تعمل منذ عشر سنوات وتدير قطاع غزة دون الإعلان عنها كحكومة بديلة وقائمة ، لكن الرئيس اعتبر أن تشكيل لجنة إدارية في غزة هو بمثابة تحد صارخ له وإضعاف لموقفه في المحافل السياسية ، ولذلك بدأ باتخاذ إجراءات عقابية صارمة باتجاه غزة للتضييق على حماس ، لكن من يظن أن هذه العقوبات هي ما جعل حماس ترضخ أو تسلم السلطة مقاليد الأمور فهو مخطئ ، حماس مستعدة للمكابرة والمعاندة حتى لو أصبحت غزة رمادا ، لكنها تحسب الأمور بالشكل الذي بصب في صالحها ، وتدرك أن الداعم القطري لن يستمر طويلا ، والمحور الإيراني السوري لن يكون من السهل أبدا استعادة ثقته ، وحماس لا تريد أن تظل عارية في مواجهة الريح العاتية ، لكنها كانت تحتاج لدفعة قوية تجعلها تراهن على الجواد الرابح هذه المرة ، وعلى ما يبدو أن مصر لعبت على ورقة تيار دحلان مع حماس ، مما قرب المسافة ، فمن يتصالح مع دحلان العدو اللدود ، لن تكون لديه مشكلة في التقدم تجاه السلطة إذا ما توفرت ضمانات عدم المساس بالملفات الحيوية للحركة ، وأعتقد أن مصر طلبت من حماس أن ترمي بثقلها كاملا في حضن المخابرات العامة المصرية ، مع الإعلان عن الاستعداد لتقديم تنازلات كبيرة في طريق المصالحة مع فتح ، وفي حال تراجعت قيادة السلطة عن إكمال الطريق سيكون لمصر سلوك مختلف تماما مع حماس ومع غزة ، ولن يكون ذلك على الإطلاق في مصلحة السلطة ولا مصلحة القضية الفلسطينية عامة.
كانت حماس من الذكاء بأن حققت الطلب المصري فهي لن تخسر شيئا على الأرض وقادرة على قلب الطاولة في أي لحظة تجد الأمور لا تروقها أو لا تسير وفق مصالحها ، وتكون قدمت كل بوادر حسن النية تجاه مصر ، وستنتظر من مصر ردة فعل صارمة تجاه تصلب أو تعنت فتح في المصالحة .
هكذا حلت حماس لجنة إدارة غزة ، التي كانت تشترط رفع العقوبات قبل حلها ، وفي المقابل لم يلغ الرئيس أبو مازن إجراءاته الأخيرة رغم تعهده بإلغاء كافة القرارات بمجرد حل اللجنة الإدارية ، حضرت الحكومة إلى غزة ، تم التقاط بعض الصور والابتسامات المتبادلة ، اجتماعات ومخططات ، جعلت أجواء التفاؤل تتنامى عند الناس، لكن لقاء الرئيس مع الإعلامية المصرية لميس الحديدي وضع حدا قاطعا للتفاؤل الشعبي في إنجاز المصالحة ، كان الواضح أن الرئيس عباس يريد مصالحة بمعايير محددة ، تلتزم فيها حماس بكل ما يراه مناسبا ، أي أن تطوى حركة حماس تماما ضمن سياسات السلطة رغم إدراكه أن هذا مستحيل في المرحلة الحالية ، لكنه لا يتعجل الأمور ، يدرك تماما أزمة حماس وأنها لجأت للمصالحة والتنازلات الكبيرة بناء على وضعها الدقيق ويستغل ذلك بكل قوة ، رغم أن المصريين يدركون أن الحديث عن السلاح في قطاع غزة بمثابة لغم هائل سيفجر كل ما تم الاتفاق عليه ، فلا يمكن لحماس أن تخلع أضراسها وتترك أنياب الآخرين تنهشها ، فهي تدرك حجم ما عاناه الشعب في عشر سنوات انقسام ، وتدرك كم من الجرائم والمظالم وقعت خلال تلك الفترة ، وتخليها عن السلاح يعني الاستسلام للموت المجاني .
ومن جهة أخرى تنتظر السلطة فخاخ كثيرة في غزة في حال تم الاتفاق في القاهرة على تسلم المعابر والأمن وإدارة قطاع غزة كاملا شأنه شأن الضفة الغربية ، أول هذه الفخاخ هو مواجهة حالة إطلاق صواريخ من غزة على الأراضي المحتلة ، مما سيجلب ردا إسرائيليا سيكون إما على مواقع للمقاومة ، أو مراكز للسلطة الفلسطينية ، مما سيعيدنا للمربع الأول الذي يجهض آمال السلطة بإحكام قبضتها الأمنية على القطاع ويعيد حالة الفلتان والنشاط الفصائلي المتفرد بالقرار، ويجعل احتمالات المواجهة قائمة في كل حين ، مما يجعل أي مساع للتنمية في قطاع غزة تبدو مستحيلة .
كما أن هاجس الرئيس عباس من تحول حماس لكيان مماثل لحزب الله داخل لبنان ، يجعل كل الاتفاقات تبدو هشة وقابلة للانهيار في لحظة ، ورغم تطمينات المصريين إلا أن الرئيس عباس ليس مقتنعا بذلك ، ويبدو أنه سيصر بشكل أو بآخر على تجريد سلاح الفصائل أو التحكم به بأي طريقة حتى لو غامر ببعثرة كل الجهود القائمة لرأب الصدع ، وقد حاول أبو مازن التركيز على دور مصر المركزي وحقها الحصري في التدخل في الشأن الفلسطيني ، وكأنه نوع من الترضية تمهيدا لخوض مرحلة من الضغوط الجديدة على حماس لتقبل بما يعتبر لديها خطوطا حمراء ، وأعتقد أن المقامرة بهذه المطالب لن تكون في صالح السلطة في المرحلة الحالية ، والسكوت عنها من وجهة نظر الرئيس عباس أيضا ليس في صالح السلطة مستقبلا .
الواضح في ظل هذه الأجواء الضبابية أن حماس تذهب للقاهرة ولا خيارات لديها إلا التصالح مع فتح بطريقة فتحاوية محضة ، والقبول على مضض بكثير من الأمور التي كانت مرفوضة وغير قابلة للنقاش ، لكن الثابت أن حماس لن تقبل بنزع سلاحها تحت أي بند ، واحتفاظها به معناه انفجار الوضع في أي لحظة حال أقدم الاحتلال مثلا على عملية اغتيال لشخصية قيادية من المقاومة تحت ذريعة إطلاق صواريخ أو شيء مفتعل من هذا القبيل ، ولا يوجد ضامن حقيقي رغم التقدير للجهود المصرية يمكنه أن يضمن أو يضبط سلوكيات الاحتلال تجاه قطاع غزة في حال تمت المصالحة .
وفي كل هذه المتاهة الحزبية بين فتح وحماس ومساومتهما الثنائية تبحث الفصائل عن دور ما في المشهد، ويبدو الجهاد حائرا في كيفية التعامل مع المرحلة القادمة، مع السلاح والمواقع التي تتخذها فصائل المقاومة المتعددة مقرات للتدريب.
أخيرا ، الشعب الذي ينتظر المعجزات ، ويدرك أنها لن تتحقق ، يبدو جاهزا هذه المرة للانفجار والخروج في وجه الجميع ، فالتفاؤل الذي تم بعثه في النفوس قد يتحول إلى ديناميت هائل الانفجار في حال تم خذلانه ، فقد تشبع واكتفى من الأذى والحصار والموت والدمار ، وبات يعرف كل الأسباب والمسببين ، المنتفعين ، الانتهازيين ، المحتكرين ، المتاجرين ، باتوا جميعا عراة أمام شعبهم ، الذي برزت أنيابه مع ابتسامة التفاؤل ، فلا خيارات إلا التوحد من أجل حياة كريمة يستحقها هذا الشعب ، وإلا فإن الفصائل كلها ستجني على نفسها وعلى القضية الفلسطينية التي ستطمس للأبد إن ضاعت الفرصة القائمة .

 شجاع الصفدي



مواضيع ذات صلة