2017-12-11الإثنين
المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.509
دينار اردني4.96
يورو4.081
جنيه مصري0.199
ريال سعودي0.936
درهم اماراتي0.956
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2017-12-08 04:22:27

من التاريخ إلى الحاضر: بين حربي "الأيام الستة" الأولى والثانية

1ـ التاريخ: سبقنا كثير من الإسرائيليين في إطلاق صفة "التاريخي" على تصريح/خطاب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أمس الأول الأربعاء، السادس من الشهر الحالي. قال رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو عقب تصريح ترامب مباشرة: "هذا يوم تاريخي! ان البيان الذي أدلى به الرئيس ترامب يمثل معلما هاما في تاريخ القدس. القدس هي عاصمتنا منذ 3,000 عام. هنا تجول أسلافنا، هنا أقيم العبد، هنا ملك ملوك إسرائيل، هنا بشر أنبياء إسرائيل. وعلى مدى آلاف السنين، تصلي أجيال وأجيال من اليهود من أجل العودة إلى القدس، من ضفاف أنهار بابل، ومن داخل جدران غيتو وارسو بكوا وحلموا بصهيون…، وسيذكر التاريخ والشعب اليهودي قرارك الشجاع في هذا اليوم".
أما وزيرة الثقافة والرياضة في حكومة نتنياهو، ميري ريغف، فقد قالت إنه "تم نقش اسم الرئيس ترامب على حجارة القدس وحائط المبكى". في حين أن وزيرة العدل الإسرائيلي، اييلت شكيد، من حزب البيت اليهودي، البالغ العنصرية، قد "بزّتهم" بعنونة تعليقها على صفحتها في الفيسبوك بـ"ترامب في عصره، مثل قورش في عصره"!!
لمن نسي التاريخ، (حتى وإن كان غير دقيق، وكاتبوه منحازين، وتتخلله أساطير وخرافات، لكنه يخضع لقاعدة صاغها شاعر فلسطين الكبير الراحل، محمود درويش، بقوله الجميل المصيب "من يكتب التاريخ يملكه")، نذكّر أن ملك فارس، قورش الكبير، قد أصدر بيانا سنة 538 قبل الميلاد، سمح فيه لليهود الذين سباهم نبوخذ نصّر إلى بابل، بالعودة إلى القدس وبناء هيكلهم الثاني، واستعادة أموالهم وأملاكهم، وأكثر من ذلك، بدعمهم ماليا لإعادة بناء الهيكل، في حادثة غير مسبوقة، حيث كان التقليد أن تدفع المناطق الخاضعة مبالغ مالية لخزينة الامبراطورية، لا أن تدفع الخزينة لمناطق خاضعة، وكل هذا بهدف إعادة تمركز اليهود في فلسطين، لتكون قاعدة آمنة لجيش الفرس في محاولتهم لغزو مصر، وليشكلوا حاجزا في وجه الجيش المصري فيما لو حاول الانطلاق شرقا وشمالا. ما دمنا في رحاب التاريخ، وبيان ترامب "التاريخي"، لا يضيرنا أن نذكِّر بـ"حرب الأيام الستة" الأولى، قبل 1381 عاما، من يوم 15ـ20 آب/اغسطس عام 636م، ففي تلك الحرب، التي يسميها العرب مخطئين "معركة" دارت معارك دامية على مدار ستة أيام حاسمة في التاريخ، قادها من الجانب العربي خالد بن الوليد، ويساعده في قيادة الجيوش العربية الأربعة أبو عبيدة بن الجراح، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص،(الذي كان موكلا بفلسطين)، بتكليف من أبو بكر الصديق، ثم من عمر بن الخطاب، وبتنازل من أبو عبيدة لخالد؛ ويقودها من الجانب المعادي، قائد الجيش ماهان، ملك ارمينيا، المشرف على خمسة جيوش بيزنطية، بتكليف من هرقل. في الأيام الأربعة الأولى اعتمد خالد بن الوليد، (الذي كان يقود بنفسه "سلاح الفرسان"، الذي يعادل في أيامنا سلاح الطيران)،استراتيجية الدفاع، وفي اليوم الخامس رفض خالد بن الوليد عرضا من ماهان لهدنة لبضعة أيام، وفي اليوم السادس انطلق خالد بفرسانه مسرعا ليفصل فرسان البيزنطيين عن قوات المشاة، وتمكن خلال ساعات من حسم نتيجة الحرب في المعركة التاريخية الفاصلة.
هذه الحرب حسمت مستقبل المنطقة إلى الأبد، لتكون منطقة عربية إسلامية. ورغم كل الاحتلالات والإلحاق والاستعمار والإغراق في قرون من التخلف والتبعية والهوان، ورغم "حرب الأيام الستة" الثانية، المشينة والكارثية والمهينة، بعد 1331 سنة من "حرب الأيام الستة" الاولى، في حزيران/يونيو 1967، فإن الحقيقة ما زالت وستبقى، وهي أن هوية هذه المنطقة عربية إسلامية غير عنصرية، وإن تخللتها مراحل تعصب أعمى مقيت ومتخلف ودموي، وإن هزمت في معارك وحروب، وخضعت لاحتلال واستعمار طال بعضها أكثر من قرنين من الزمن، مثل حقبة الصليبيين، التي فشلت في نزع هوية المنطقة المتأصِّلة، وحسمها صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين، مثل كل المحاولات السابقة واللاحقة لنزع هذه الهوية وإخضاعها، وآخرها هذه الحقبة الإسرائيلية اليهودية الصهيونية العنصرية، حتى وإن استعانت بملوك وأمراء ورؤساء تصنعهم وتدعمهم وتستخدمهم، (بالسر أو بالعلن). 2ـ الحاضر: نعيش واقعا صعبا قاسيا مشينا. إنه واقع يحبط كل ذي إرادة ضعيفة، ويسمح لليأس والإحباط أن يسيطرا على حاضره، فيحرم من الرؤية السليمة والصائبة، رؤية إصرار وصلابة أبنائه وأحفاده التي أفشلت، وتفشل، كل أسباب ونتائج الاحتلالات والاستعمار من تيئيسه ودفعه للاستكانة والاستسلام لهذا الواقع المرير المرفوض. وصل الأمر بكثير من الكتاب الإسرائيليين إلى تمني استمرار موجة الشتاء والبرد القارص التي تعم أرض فلسطين وبعض دول الجوار، لتقليل عدد من سيشاركون، وإن بشكل غير عنيف، في إعرابهم عن الانتفاض والرفض والإدانة لانحياز القوة الأولى في العالم، وقائدها "الهائج" ترامب. هذا الرئيس الأمريكي الذي يصعب التأكد من اتجاه خطوته التالية، وإن كانت كوريا الشمالية قد كشفت عجزه، حتى الآن على الأقل، عن مواجهة من يُعدّ العدّة لمواجهة غطرسته. بيان ترامب مثير للغضب ودافع للرفض، ليس بما تضمنه فقط، بل أكثر من ذلك بما لم يتضمنه. صحيح إنه أعلن اعتراف إدارته بأن القدس هي عاصمة إسرائيل، لكنه في المقابل لم يحدد عن أي "قدس" يتحدث. فهل هي القدس الغربية فقط أم هي "قدس الحكومات الإسرائيلية" التي ضمّت القدس العربية إلى سيادتها إثر "حرب الأيام الستة" الثانية؟ ثم ماذا تعني تلميحاته أن في "القدس" عاصمة إسرائيل تتواجد مقرات رئاسة الحكومة، والبرلمان الإسرائيلي (الكنيست)، ومحكمة العدل العليا، وعديد من الوزارات الإسرائيلية، بالإضافة إلى مقري إقامة رئيس الدولة ورئيس الحكومة؟ علما أن جميع هذه المواقع موجودة في القدس الغربية التي اعتمدتها إسرائيل عاصمة لها، منذ سنة النكبة 1948، مخالفة لقرار الشرعية الدولية المتمثل بقرار التقسيم 1947، واعتبار القدس ومحيطها خاضعة للتدويل. 3ـ السياسة: أما وقد وصلنا إلى هذا الحد، ولم يبق في المجال من متّسع لأكثر من فقرة واحدة أو اثنتين، فإنني أصل النقطة الحاسمة. نقطة ما أراه سياسة يجدر بالفلسطينيين اعتمادها. جدير بالتقدير قرار الرئيس الفلسطيني، الأخ ابو مازن، أن يخاطب الفلسطينيين بعد ساعة فقط من إعلان الرئيس الأمريكي لبيانه، وأن يعلن امتعاضه وغضبه من هذا البيان. لكن ذلك خطوة أولى فقط. وهي كذلك، حتى وإن سبقها مسلسل من الاتصالات والمناشدات للقادة العرب والمسلمين، ولقادة من دول ومنظمات واتحادات دولية فاعلة، والطلب إليها التضامن مع شعبنا وحقوقنا العادلة المشروعة، والتصدي لما تضمنه بيان ترامب، وما تجاهله واستثناه ولم يفصح عنه. هذا جيد ومفيد، لكنه ليس كافيا. يجدر بالفلسطينيين اعتماد سياسة، تسعى ما استطاعت تجنب المواجهة المباشرة مع هذا الثور الأمريكي الهائج، وتسعى في الوقت ذاته إلى أمرين:
أولاـ ضرورة الامتناع عن إعطاء إسرائيل، وحكومتها العنصرية، أي مبرر لقتل أي من أبناء شعبنا.
ثانياـ وضع هدف محدد للتحرك الجماهيري الفلسطيني، هدف منطقي وقابل للتحقيق، يمكن لنا بعد إنجازه، الاحتفال بتحقيقه، وإعلان الانتقال بنضالنا الوطني المشروع إلى الخطوة التالية في مسيرة شعبنا القاسية في مواجهة الاحتلال والاستعمار والعنصرية الصهيونية الإسرائيلية.
هذا هو الدرس الذي تعلمناه من جديد في "هبة" القدس الأخيرة في الصيف الماضي، حيث كان الهدف المعلن القابل للتحقيق هو إزالة وإلغاء البوابات المغناطيسية عند بوابات ومداخل المسجد الأقصى. تحقق ذلك. اندحرت حكومة نتنياهو وأجهزته، واحتفل شعبنا وأمتنا ومناصرو شعبنا ومؤيدوه.
يمكن عقد أكثر من جلسة عصف فكري، لمفكرين فلسطينيين لتحديد ذلك. وأسمح لنفسي بالتقدم باقتراح اشتراط القبول ببيان ترامب، استكماله ببيان يحدد بيانه السابق أنه يقتصر على القدس الغربية، رابطا ذلك ببيان يعلن تأييد اعتماد القدس العربية عاصمة لدولة فلسطين بتنسيق وتعاون وتكامل مع نضالنا المشروع، ومع تضامن الغالبية الأعم في العالم مع حقنا في التحرر والاستقلال وتقرير المصير.
هذا مطلوب. هذا قابل للتحقيق. هذا يجنبنا الدخول في مواجهات غير محددة الأهداف، وبدقة ووضوح.
ليس من الحكمة دخول مواجهات غير محددة الهدف القابل للتحقيق لا تخدم مصالح شعبنا، هبة أو انتفاضة تثور ثم تهدأ بالضرورة، دون تحقيق هدفها، لتقصير القيادة عن تحديد هذا الهدف.

عماد شقور

كاتب فلسطيني



مواضيع ذات صلة