2018-06-19الثلاثاء
المدينة اليومالحالة
القدس29
رام الله29
نابلس29
جنين32
الخليل29
غزة30
رفح31
العملة السعر
دولار امريكي3.6443
دينار اردني5.14
يورو4.2071
جنيه مصري0.2042
ريال سعودي0.9721
درهم اماراتي0.9926
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2018-01-12 08:48:37

أي الحلمين سينفجر… وأيهما سيتحقق؟

كل مياه الشرق الاوسط معكرة. يصح ذلك على جميع الاصعدة تقريبا. صعيد العلاقات بين مجموع القوميات التي تتشكل منها المنطقة، وصعيد العلاقات بين دول الاقليم؛ وصعيد العلاقات داخل كل دولة: من تركيا إلى إيران، ومن سوريا إلى العراق، ومن مصر إلى الاردن، وعن دول الجزيرة العربية والخليج "حدِّث ولا حرج". خلافات تتفجر بين مكونات كل دولة ودولة، بين الاكثرية والأقلية او الأقليات؛ بين الطبقات في مستوياتها الاقتصادية؛ وبين اتباع الديانات، وبين الطوائف داخل اهل العقيدة الواحدة؛ وبين اهل المحافظات الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية داخل الوطن الواحد الذي فرضت الطبيعة والتاريخ حدوده الجغرافية، او ذاك الذي فرضت حدوده اتفاقيات دول اجنبية استعمارية، على غرار سايكس بيكو ومثيلاتها.
تخصص اسرائيل، ومهنتها ودورها، هو الاصطياد في المياه العكرة. ولو لم تكن مياه المنطقة بمجملها عكرة، لسعت اسرائيل إلى تعكيرها. هذه الحالة تضعنا امام سؤال: ما العمل؟ واي سياسة يجدر بالفلسطينيين اعتمادها للتعامل مع هذا المحيط المعكر والمصطادين بين امواجه العاتية؟
حرصت اسرائيل منذ البداية على نشر بذور الشك بين الفلسطينيين الذين بقوا في مدنهم وقراهم إثر النكبة سنة 1948. حرصت على تشكيك الفلسطينيين بكل من وبكل ما حولهم، تشكيك الفلسطيني بكل محيطه، دون استثناء، حتى ولكأنها تسعى لتشكيك كل فرد فلسطيني بنفسه ايضا. وزادت على ذلك في تعاملها مع اللاجئين الفلسطينيين، بتحميل مسؤولية تهجيرهم ولجوئهم إلى قياداتهم الفلسطينية، وتحميل مسؤولية استمرار معاناتهم ولجوئهم إلى قيادات الدول العربية، وكأن الحركة الصهيونية، بكل عصاباتها، بريئة من كل ما سببته للفلسطينيين معاناة وعذابات، وما اقترفته من جرائم بحقهم كشعب وكافراد على حد سواء.
صحيح ان بعض القيادات الفلسطينية، وكذلك بعض القيادات العربية، تتحمل مسؤولية بعض ما تعرض ويتعرض له الفلسطينيون، سواء بغباء او بسوء نية. لكن الحركة الصهيونية، وداعميها من الدول الاستعمارية، واولها بريطانيا، وكذلك حكومات اسرائيل جميعها، منذ انشائها حتى الآن، هي المسؤول الأول والاكبر عن كل عذابات الفلسطينيين. وكلما مضت السنون وسمحت اجهزة الرقابة برفع السّرِّية عن ارشيفات وحقائق واحداث، تبين اكثر واكثر، مدى تورط اسرائيل والصهيونية بجرائم اكبر واكثر هَولاً.
نتعرض هذه الايام لموجة تشكيك جديدة. فمنذ ما قبل اعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بايام، اعتراف ادارته بالقدس، (دون توضيح لحدودها)، عاصمة لاسرائيل، بدأت الاجهزة الاسرائيلية بحملة محمومة، لتشكيك الفلسطينيين وتحريضهم على بعض القيادات العربية. تخترع روايات وتنشرها وتعاود نشرها على امل ان تصبح مسلّمات في اذهان الفلسطينيين.
من هذه الروايات ان ملك السعودية "استدعى" الرئيس الفلسطيني، ابو مازن، إلى الرياض، وهناك ابلغه ولي العهد، الامير محمد بن سلمان، بفحوى ما سيعلنه الرئيس الأمريكي، وان السعودية لا ترى غضاضة في ذلك، وتتعهد بدعم الفلسطينيين بعشرة مليارات دولار، مقابل اعتماد الفلسطينيين لقرية ابو ديس عاصمة للدولة الفلسطينية العتيدة، وإلا… فان على ابو مازن الاستقالة!.
لحقت بذلك رواية اخطر، ابرزتها الصحف الاسرائيلية منقولة عن جريدة "نيويورك تايمز" الأمريكية، تحت عنوان: "انكشاف موقف مصر: القدس؟ فلتكن رام الله عاصمة لفلسطين"، (يديعوت احرونوت، 6.1.2018). وجعلت تلك الصحف للرواية ابطالا، اولهم ضابط مخابرات مصرية لم تحدد اسمه وموقعه، واربعة مقدمي برامج حوارية في قنوات مصرية، هاتفت الصحيفة الأمريكية احدهم، وانكر اثنان صحة الرواية، ولم تعثر الصحيفة على رقم الرابع، وغير هاتين الروايتين كثير.
هذه مسائل ومواقف وسياسات دول مؤثرة على جوهر القضية الفلسطينية وتفرعاتها. يجب التعاطي معها بجدية وبحزم من قبل القيادات الفلسطينية. أما ان تتحول هذه الروايات إلى مادة يتناقلها بكثافة غير معهودة، "ابطال" الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي الاخرى، فان ذلك لا يقود إلا إلى الاحباط والتيئيس الذي تسعى اسرائيل لإشاعته وفرضه.
ثم، رغم اهمية المحيط العربي بكل ما له علاقة بفلسطين، فان الجوهر والاساس هو موقف الفلسطينيين. ولا يساوي هذا في الاهمية، إلا انعكاس وتأثير العمل الفلسطيني على اسرائيل وعلى الاوضاع فيها، على واقع اسرائيل، وصورتها في العالم ومستقبلها، بل مستقبل وجودها ذاته.
في هذا الجو الفلسطيني الذي يشعر البعض فيه بنوع من الاحباط، يجدر بنا ان نلاحظ مدى التوتر في اسرائيل، وما تعانيه من عزلة وانفضاض حلفاء لها ومؤيدون تاريخيون، بدأوا دعمهم لتحقيق حلم الحركة الصهيونية منذ نشأتها وانطلاقها، بل منذ ساهم بعض هؤلاء في انشائها واطلاقها، وزاد ذلك مع اعلان اقامة اسرائيل سنة 1948، وتعاظم إلى ما لا يقاس اثر حرب حزيران/يونيو 1967. اصبح الجزء الاكبر من هذا التعاطف تاريخا مضى وانتهى، يتطلع اليه الاسرائيليون بحسرة والم، وبدأت تحتل مكانه قرارات نبذ وتبرُّؤ ومقاطعة.
سلسلة نبذ اسرائيل ورفض سياساتها تجلت اظهر ما يكون في وقوف جميع اعضاء مجلس الامن ضد القرار الأمريكي المنحاز لاسرائيل بخصوص مدينة القدس، ولحق بذلك التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
اما سلسلة مقاطعة اسرائيل، فقد بدأت تنظر اليها اسرائيل بقلق غير مسبوق، باعتبارها سيلا آخذا في التعاظم يوما بعد يوم، يذكرها بما تعرضت له جنوب افريقيا ايام الابرتهايد، وما آلت اليه اوضاعها التي انتهت إلى انهيار نظامها بكامله، فأوكلت التصدي له لوزارة خاصة اسمتها وزارة المسائل الاستراتيجية، وضاعفت موازنتها خمس مرات في السنوات الثلاث الاخيرة.
وصل ضيق اسرائيل مؤخرا، من سيل المقاطعات لها، حد اعداد "قوائم سوداء" بعشرين مؤسسة وهيئة في العالم، تعمل وتنشط في مجال مقاطعتها، تحظر دخول الناشطين فيها إلى اسرائيل، وبين تلك المؤسسات والهيئات المنظمة اليهودية الأمريكية "صوت يهودي من اجل السلام"، ومنظمة الكويكرز التي حصلت على جائزة نوبل للسلام عام 1947، بسبب دورها في انقاذ ضحايا النازية، وكذلك منظمة يشغل منصب الرئيس الشرفي فيها زعيم حزب العمال البريطاني الحالي، جيرمي كوربين.
ليس الوضع الفلسطيني في احسن حالاته. ولا نبالغ إذا قلنا ان الوضع العربي في أسوأ حالاته منذ عقود. ولكن الوضع في اسرائيل، على الصعيد العام، داخليا وعالميا، لا يبشر الاسرائيليين بخير. ورغم كل ما في ترسانة اسرائيل من سلاح، وما في اقتصادها من قوة، وما تحظى به من دعم من أمريكا، فانها في مرحلة هبوط، في حين انه رغم كل ما يعانيه الفلسطينيون فان الوضع الفلسطيني في صعود.
حجم الاستعداد الفلسطيني المثبت، لمواصلة النضال، والتمسك بالحقوق الفلسطينية المشروعة، يقودنا إلى التأكد بان الحلم الفلسطيني في التحرر سيتحقق، وان كل اسلحة اسرائيل لن تكون كافية لحماية وادامة احتلالها واستعمارها وتنكّرها للحقوق الفلسطينية.

عماد شقور

٭ كاتب فلسطيني



مواضيع ذات صلة