2018-11-21الأربعاء
المدينة اليومالحالة
القدس20
رام الله20
نابلس20
جنين22
الخليل20
غزة22
رفح22
العملة السعر
دولار امريكي3.6452
دينار اردني5.1414
يورو4.2065
جنيه مصري0.204
ريال سعودي0.972
درهم اماراتي0.9925
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2018-11-08 03:57:55

أمام علامة فارقة على طريق الصراع مع إسرائيل

على طريق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الذي يغطي أكثر من قرن من الزمان، حتى الآن، علامات ومحطات فارقة كثيرة. نحن الآن، وفي هذه الأيام والأسابيع تحديدا، نمُرُّ بأحدى هذه العلامات، التي تشير بوضوح بالغ إلى وصولنا عتبة محطة جديدة، يستدعي الخروج منها والانطلاق بهدف الوصول إلى المحطة المقبلة في هذا الصراع الطويل، تركيزا جدّيا في اختيار السكّة التي ينبغي وضع القطار الفلسطيني عليها. فنهاية المحطة أو المرحلة، تعني الوقوف أمام دُوّار تتفرع منه مفارق عديدة، لا توصل جميعها إلى المحطة المبتغاة. لكن تلك المفارق والسّكك التي يمكن لها أن توصل إلى تلك المحطة، تختلف، جذريا في غالب الأحيان، في مدى وكلفة كل واحدة منها، وفي حجم المخاطر وعدد العراقيل فيها.
المحطة التي يقف عندها الوضع الفلسطيني هذه الأيام، هي «محطة التفاهمات» بين حركة المقاومة الإسلامية، حماس، (ومعها حركة الجهاد الإسلامي)، من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، بوساطة مصرية أصلا، مدعومة بتأييد الأمم المتحدة.
[يجدر بي هنا أن اسجل مسبقا رفضي وإدانتي لتولي أي تنظيم فلسطيني إدارة أي مفاوضات مع إسرائيل، العدو لكل الفلسطينيين، وتمكين إسرائيل، بالتالي، من الاستفراد بالتنظيم المعني، أو المنطقة المعنية].
لكننا الآن أمام واقع، يجب الاعتراف به، حتى وإن كنا لا نتمناه ولا نحبذه. ويلي ذلك الاعتراف، بطبيعة الحال، وضعه في مكانته الصحيحة، ودراسة أبعاده، وتقييمه.
على أن هذا التقييم، لا يكون دقيقا، ولا واضحا بما فيه الكفاية أيضا، ما لم يتم تثبيت الحدث المعني، في موقعه الدقيق على خريطة الصراع، وهو ما يستدعي فرد هذه الخريطة أمامنا، ودراسة تضاريسها وطرقها المتعرجة والمتقاطعة، وتركيز النظر على العلامات والمحطات العديدة عليها.
كانت البداية في هذا الصراع المتواصل، تقسيم «بلاد الشام» إلى أربعة كيانات منفصلة: لبنان وسوريا وشرق الاردن وفلسطين، بهدف واضح، هو الاستفراد بفلسطين، التي تشكل حلقة الوصل بين المشرق العربي والمغرب العربي، وبين قارتي آسيا وافريقيا، مع حرص بالغ على تمديد جغرافية فلسطين فوق كامل منطقة النقب، وصولا إلى البحر الأحمر، عند منطقة العقبة/أم الرشراش، التي تحولت ليصبح اسمها «إيلات»، لضمان انقطاع التواصل الجغرافي.
كان ذلك مع انتهاء الحرب العالمية الأولى، التي يحتفل كثير من الرؤساء هذه الأيام، في باريس، بمناسبة مرور مئة عام عليها. وطوال فترة الصراع الفلسطيني الصهيوني، بين تلك الحرب والحرب العالمية الثانية، لم يتمكن الفلسطينيون من إنجاز أي مكسب ملموس، باستثناء واحد وحيد، هو الإضراب الفلسطيني العام، الذي شاركت فيه كل الجماهير الفلسطينية، واستمر ستة أشهر، وليكون الأضراب الأطول في التاريخ، وأنجز للشعب الفلسطيني تراجعا ملموسا من جانب حكومة الانتداب/الاستعمار البريطاني، حول الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وحول قضايا عديدة أخرى، قد يكون أهمها «أن الحكومة (البريطانية) عازمة على إلغاء الانتداب في الوقت المناسب، حيث تقوم دولة فلسطينية مستقلة، ترتبط بمعاهدة مع بريطانيا،… وبحيث تتمتع الأقلية اليهودية بحماية مقترنة بضمانات»، حسب ما ورد في المسودّة الأولى التي قدمتها الحكومة البريطانية للمؤتمر الخاص بإصدار «الكتاب الأبيض» يوم 24.2.1939، علما بأن الكتاب الأبيض الذي صدر يوم 27.5.1939، جاء مختلفا عن هذا النص. وفي هذا السياق أيضا يمكن تسجيل تراجعات بريطانية جوهرية وردت في تقرير لجنة بيل الملكية عام 1937، وبدون أن ننسى أن إنهاء الإضراب الفلسطيني العام المذكور، كان قد تم بطلب من الحكام العرب، الذين وثقوا بوعود بريطانية، لم يتم الالتزام بها طبعا.

هذا الدرس نتعلم منه أن التحرك الجماهيري الفلسطيني، الذي يشمل كل طبقات الشعب الفلسطيني وطوائفه وتجمعاته، هو الكفيل بأن يحقق له الوصول إلى بعض أهدافه وحقوقه الطبيعية المشروعة، حتى وإن كانت موازين القوى العسكرية والاقتصادية والعلمية تميل بشكل حاسم لمصلحة عدوه، سواء كان هذا العدو هو الاستعمار البريطاني أو الحركة الصهيونية، أو إسرائيل لاحقا. ننتقل من هذا التاريخ المتوسط، إلى تاريخنا الحديث، فنجد أن انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، ورمزها حركة التحرير الوطني الفلسطيني ـ فتح، والتي شكّلت الطليعة للعمل الوطني الشامل، لم تنجز أي هدف عملي ملموس، إلا عندما رفدته الجماهير الفلسطينية بالدعم وبالتحرك الشامل، الذي مثّلته الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي انطلقت في وجه جيش الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي، يوم 8.12.1987، فأرغمت إسرائيل على حضور مؤتمر مدريد، وعلى المفاوضات السرية المباشرة مع م.ت.ف. وصولا إلى اتفاقيات اوسلو، التي اعترفت فيها إسرائيل بوجود الشعب الفلسطيني، وبمنظمة التحرير ممثلا شرعيا له، وعكست اتجاه حركة الفلسطينيين، من فلسطين إلى دول اللجوء والشتات، لتصبح حركة من دول الشتات واللجوء إلى داخل أرض فلسطين. وهذا ما سبب دفع اليمين الإسرائيلي العنصري إلى رفضها وإدانة «أبطالها»، وهو التحرك الذي قاد إلى اغتيال اسحق رابين، الرمز الإسرائيلي لاوسلو، والانقضاض لاحقا على كل ما في اتفاقية اوسلو من مكاسب ومنافع للشعب الفلسطيني.
درس جديد نتعلمه من هذه التجربة الفلسطينية، هو باختصار:
1ـ لا بد من طليعة لتحريك الجماهير الفلسطينية. لكن الطليعة لا تُنجز ولا تحقق أهدافا عملية ملموسة.
2ـ إن عنصر القوة الفلسطينية الرئيسي هو الجماهير الفلسطينية، وهو عموم أبناء الشعب الفلسطيني بطبقاته وطوائفه وتوجهاته السياسية.
3ـ يتوجب على هذه القوة الفلسطينية توجيه حركتها ضد رأس حربة العدو، وهو في حالتنا جيش الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي والمستوطنين/المستعمرين في أراضي الدولة الفلسطينية.
لا يعمل الشعب الفلسطيني في الفراغ. فهناك عدو يفكر ويخطط ويتحرك ويعمل، بدون توقف، لمنعه من تحقيق أهدافه الوطنية الطبيعية المشروعة. ولهذا أقدم الزعيم الإسرائيلي اليميني العنصري، اريئيل شارون، على استفزاز الفلسطينيين لإطلاق الانتفاضة الثانية، ونجح في حرفها خلال أقل من شهرين من انطلاقها:
1ـ باتجاه تحويلها إلى انتفاضة مسلّحة. وتفوق إسرائيل في كل ما له علاقة بالسلاح أمر مفروغ منه، في الماضي وفي الحاضر وفي المستقبل المنظور والمستقبل البعيد أيضا.
2ـ باتجاه حرف بوصلتها عن التركيز على الجيش الإسرائيلي والمستوطنين/المستعمرين، لاستهداف المدنيين الإسرائيليين، وما يترتب على ذلك من تماسك المجتمع الإسرائيلي ليصبح قوة موحدة في مواجهة ورفض المطالب الوطنية الفلسطينية الطبيعية والمشروعة.
إنه درس جديد يجب على الشعب الفلسطيني تعلمه وأخذ العبرة منه.
تلا ذلك ما أسميه «الانتفاضة الثالثة»، التي انطلقت يوم 30 آذار/مارس الماضي، في الذكري الـ42 ليوم الارض، تحت اسم «مسيرات العودة»، والمستمرة حتى الآن على مدى ثلاثة وثلاثين أسبوعا. وهي كذلك لأنها شملت فعلا كل أبناء قطاع غزة، بكل طبقاته وطوائفه وقواه السياسة.
ما نلمسه حتى الآن هو اضطرار إسرائيل للتفاوض الجدي لإنهاء هذه الانتفاضة. وهذا درس رابع يتوجب على الشعب الفلسطيني أخذ العبرة منه.
تعالوا نتمنى أن لا تنتهي هذه المفاوضات، حتى وإن كانت مع جزء من القيادات الفلسطينية، إلى ما انتهت إليه اوسلو. ولعل المطلب الأول والأهم، أن تمتلك مصر ما يمكنها من إلزام إسرائيل بما يتم الاتفاق عليه، وأن لا يكون إنجاز لأهل قطاع غزة المنكوب أكثر من غيره من التجمعات الفلسطينية، عائقاً أمام إنجازات مطلوبة للشعب الفلسطيني.
لا بد من طليعة لكل تحرك وطني. وعندما تفتقر الطليعة لقوة عسكرية قادرة على الحسم لصالحها، فإن الجماهير الفلسطينية، تصبح هي السلاح الأقوى والأقدر على الحسم مهما كانت ترسانة العدو مكتظة بكل أنواع الأسلحة.
هل تعي القيادات الفلسطينية هذا الدرس؟

عماد شقور
 

كاتب فلسطيني



مواضيع ذات صلة