2019-08-19الإثنين
المدينة اليومالحالة
القدس7
رام الله7
نابلس9
جنين11
الخليل6
غزة12
رفح13
العملة السعر
دولار امريكي3.6452
دينار اردني5.1414
يورو4.2065
جنيه مصري0.204
ريال سعودي0.972
درهم اماراتي0.9925
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2018-11-28 19:02:18

ليست جرائم كراهية ضدّ اليهود فقط..!!

ما حدث في مدينة بيتسبيرغ بولاية بنسلفانيا الأمريكية من قتلٍ عشوائي لمصلّين في معبد يهودي هو من دون شك عمل إجرامي وحشي يُعبّر عن مدى حجم خطر العنصرية في أمريكا. لكن هذه  العنصريـة هي ليسـت ضدّ اليهود الأمريكيين فقط؛ بل هي تُعادي وتسـتهدف كل من هم من غير الأصول الأوروبيـة البروتسـتانيـة ذوي البشـرة البيضاء. فهؤلاء العنصريون الأمريكيون قاوموا بالسلاح المهاجرين الكاثوليك منذ حوالي قرنٍ من الزمن وقتلوا العديد منهم في مدينة نيويورك. وهم أيضاً من يُهدّد العديد من المراكز الإسلامية في أمريكا، وحاولوا إحراق بعضها. حتّى طائفة السيخ تعرّض مركزها في ولاية ويسكونسن لهجومٍ مسلّح وأدّى إلى مقتل 7 أشخاص.

وإضافةً لهذه العنصرية البغضاء ضدّ طوائف مختلفة، تزداد في المجتمع الأمريكي ظاهرة الممارسات العنصرية ضدّ الأقليات الإثنية والعرقية رغم إنتماء بعضها للطائفة البروتستانية، كما حدث مع عدّة كنائس للأميركيين الأفارقة، كان آخرها محاولة الاعتداء المسلّح على كنيسة في ولاية كنتكي بعد يومين من الهجوم الأخير على المعبد اليهودي، وكما جرى في العام 2015 من إطلاق نارٍ عشوائي على مصلّين بكنيسة في مدينة تشارلستون بولاية ساوث كارولينا.

هذه العنصريـة الأمريكيـة المتصاعدة تظهر أيضاً في المواقف الداعمـة لسـياسـة الرئيـس ترامب تجاه المهاجرين القادمين من أمريكا اللاتينيـة، وهم جميعهم من أتباع الديانـة المسـيحيـة، فكيف بالمهاجرين من بلدان المنطقـة العربيـة والعالم الإسـلامي؟!

وقد أكّدت عدّة دراسات وأبحاث صدرت في العامين الماضيين بأنّ نسبة جرائم الكراهية في أمريكا ازدادت كثيراً منذ العام 2016 وما بعده بسبب التيّار الشعبوي الذي قاده ترامب وأوصله إلى "البيت الأبيض". فالعديد من الممارسـات العنصريـة كانت تجاوباً مع الشـعارات والتصريحات التي أطلقها ترامب في حملتـه الانتخابيـة، ثمّ في التجمّعات الشـعبيـة التي تحدّث بها بعد انتخابـه. لكن من الإنصاف القول بأنّ مسـؤوليـة ترامب هي فقط عن تأجيج ما هو قائمٌ ودفين في المجتمع الأمريكي، ولم يصنعـه ترامب نفسـه؛ بمعنى أنّ أمريكا تُعاني من ظاهرة العنصريـة منذ تأسـيـس الولايات المتحدة، وهي شهدت حرباً أهلية دموية لعدّة سنوات منذ قرنٍ ونصف قرن من الزمن بسبب الصراع حول قانون تحرير العبيد، الذي أراده الرئيس أبراهام لنكولن ورفضته الولايات الجنوبية.

وربّما لو جاز اختصار أسباب ازدهار العنف العنصري في أمريكا الآن لأمكن وضعها في ثلاثة عوامل تُغذّي بعضها البعض: أوّلها العنصريـة المتأصّلـة، وثانيها فوضى السـلاح المسـتندة إلى التعديل الثاني من الدسـتور، وثالثها هو المناخ الذي أوجده ترامب في حملاتـه الانتخابيـة وما بعدها. لذلك، ليس من السهل أبداً معالجة ما يحدث في أمريكا الآن، خاصّةً بوجود "لوبي صُنّاع السلاح" الذي هو أقوى "لوبي" مؤثّر في الكونغرس، وله مؤيّدون وداعمون من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، مع تفوّق لعدد الجمهوريين، وهذا "اللوبي" من أبرز المساندين لإدارة ترامب.

بلا شك، فإنّ العنصرية والعنف المسلّح سيكونان في ذهن كل من سيشارك في الانتخابات "النصفية" القادمة، وستؤثّر حتماً نتائج هذه الانتخابات على مسار القضيتين معاً، لكن العلاج الجذري لهاتين المشكلتين سيحتاج لزمنٍ طويل، ولدورٍ أفعل للجيل الأمريكي الجديد، ولقيادة سياسية نزيهة لا تخضع لتأثيرات قوى الضغط الفاعلة في الحياة السياسية الأميركية.

وما يلفت الانتباه، بعد الاعتداء على المعبد اليهودي في بنسلفانيا، هو هذا التجاذب الذي حصل وسط الجالية اليهودية حيث أدان بعضها تصريحات ترامب التي رفض فيها أي تقييد لفوضى شراء الأسلحة، وبين من هم يخدمون المصالح الإسرائيلية، حيث سـارعت (إسـرائيل) لارسـال خبراء أمنيين للمسـاعدة في تأمين الحمايـة للمراكز اليهوديـة في أمريكا، كما حاول رئيـس الحكومـة الإسـرائيليـة (نتنياهو) أيضاً اسـتغلال الحادث سـياسـياً، وكأنّـه هو المسـؤول عن شـؤون اليهود في العالم كلّـه..!!

ولعلّ من المهمّ التوقّف أيضاً عند كيفيـة تعامل معظم وسـائل الإعلام الأمريكيـة مع هذا الاعتداء على المعبد اليهودي، بوصفـه كامتداد لمعاداة "السـاميـة" في العالم، والتحذير من أي كتابات تُحرّض على معاداة اليهود، بينما لم نرَ هذا الإعلام يفعل أمراً مشـابهاً حينما جرى الاعتداء والتحريض على مراكز دينيـة غير يهودية..!! فالقضيـة لا تتعلّق باليهود فقط بل بكلّ الأقلّيات الدينيـة والإثنيـة في المجتمع الأمريكي، ولا يجوز هذا التوظيف السـياسـي من الجماعات الداعمـة (لإسـرائيل) والتي سـعت وتسـعى لاعتبار أي نقدٍ (لإسـرائيل) هو بمثابـة معاداةٍ للسـاميـة.

لقد نجحت قوى "أمريكا العنصرية القديمة" في إيصال ترامب إلى "البيت الأبيض" على حساب مرشّحين آخرين من "الحزب الجمهوري"، بسبب قيام حملته الانتخابية على مفاهيم ومعتقدات هذه القوى الأمريكية "الرجعية"، لكن هذه هي المعركة الأخيرة لجماعات "أمريكا القديمة"، فهي، وإن نجحت في إيصال ترامب للرئاسـة، فإنّها لن تسـتطيع وقف التقدّم الأمريكي نحو مسـتقبلٍ مختلف عن معتقداتها، بسـبب طبيعـة التغيير الديموغرافي الحاصل داخل المجتمع الأمريكي، ولعدم قبول معظم الجيل الأمريكي الجديد بالمفاهيم والممارسـات العنصريـة.

إنّ العنصريـة موجودة في المجمتع الأمريكي لقرونٍ عديدة، وهي عميقـة ضدّ الأمريكيين ذوي البشـرة السـوداء، وهي عنصريـة متجدّدة ضدّ كل أنواع المهاجرين الجُدد من غير الأصول الأوروبيـة، وهي عنصريـة واضحـة ضدّ الأقلّيات الدينيـة الإسـلاميـة واليهوديـة. فكيف لو اجتمعت مع ذلك كلّـه خلف إدارة ترامب فعاليـة قوى ضغطٍ ضخمـة تجد في أجندة ترامب وفريقـه ما يخدم مصالحها الداخليـة والخارجيـة!؟

نعم، هناك شرخٌ كبير موجودٌ الآن داخل المجتمع الأمريكي بين تيّار "الأصولية الأمريكية" وتيّار "الحداثة الأمريكية"، وأيضاً بين من تتجذّر فيهم العنصرية وبين الرافضين لها. فأمريكا التي يعرفها العالم اليوم بأنّها قامت على أساسٍ دستوري سليم واتّحادٍ قوي بين الولايات، هي أيضاً أميركا التي تأسّست كمجتمع على ما يُعرف اختصاراً بأحرف: WASP والتي تعني "الرجال البيض الأنجلوسكسون البروتستانت". والدسـتور الأمريكي "العظيم" الذي جرى إعداده منذ حوالي 230 سـنـة، كان معنيّاً بـه أوّلاً وأخيراً هؤلاء المهاجرون القادمون من أوروبا، والذين مارسـوا العبوديـة بأعنف أشـكالها ضدّ الأفريقيين المسـتحضرين للقارّة الجديدة.

المجتمع الأمريكي يشهد الآن صراعاً مهمّاً حول كيفيّة رؤية مستقبل أمريكا وحول الاتّجاه الذي سيسير نحوه هذا المجتمع. وهو المجتمع الذي قام تاريخه أيضاً على استخدام العنف، وما زال عددٌ كبير من ولاياته يرفض التخلّي عن إقتناء الأسلحة الفردية وفكرة الميليشيات المسلّحة..!!

أمريكا الآن، في ظلّ حكم ترامب، تنتعـش وتتغذّى فيها من جديد مشـاعر التمييز العنصري والتفرقـة على أسـاس اللون أو الدين، بعدما تجاوزت أمريكا هذه الحالـة منذ عقود. فالقوّة الحقيقية لأمريكا الحديثة كانت في تعدّديتها وفي تكامل وانسجام مكوّناتها الإثنية والدينية والثقافية، وفي نظامها الدستوري الذي ساوى بين جميع المواطنين، وحينما تهتزّ عناصر القوّة هذه، فإنَّ عناصر الضعف والوهن والتشرذم ستكون في خلايا المجتمع الأمريكي كلّه!

صبحي غندور*

مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

      Sobhi@alhewar.com

30-10-2018



مواضيع ذات صلة