المدينة اليومالحالة
القدس7
رام الله7
نابلس9
جنين11
الخليل6
غزة12
رفح13
العملة السعر
دولار امريكي3.6452
دينار اردني5.1414
يورو4.2065
جنيه مصري0.204
ريال سعودي0.972
درهم اماراتي0.9925
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2019-01-15 10:43:14

لماذا يمحو بولتون كلام ترامب عن سوريا؟!

صحيحٌ أنّ الرئيس الأمريكي هو الذي يُقرّر في النهاية السياسة الخارجية وهو أيضاً القائد الأعلى للقوات المسلّحة الأمريكية، لكن ما هو مهمٌّ إدراكه أنّ الرؤوساء الأمريكيين يُخضعون قراراتهم عادة لاستشارة المؤسّسات الأمريكية الكبرى المعنيّة في السياستين الخارجية والأمنية. فرغبات أي رئيـس أمريكي ليسـت هي بالضرورة التي تُنفّذ خلال صناعـة القرارات الاسـتراتيجيـة الأمريكيـة. طبعاً، الرئيس (دونالد ترامب) هو حالة مختلفة عمّن سبقه، خاصّةً في مسألة إعلان القرارات والمواقف عبر تغريداته على "تويتر"، لكن في النتيجة سيعود تنفيذ ما يرغبه (ترامب) إلى مؤسّسات لها صفة الاستدامة والتأثير الكبير على كل من يسكن في "البيت الأبيض" لفترةٍ محدودة من الزمن!

السلطة القضائية، على سبيل المثال، اختلفت مع (ترامب) حينما أصدر في بدء ولايته قرار حظر السفر لأمريكا من عِدّة دول إسلامية، ثمّ حصل ذلك أيضاً في مسألة طالبي اللجوء السياسي من دول أمريكا اللاتينية. ويحصل الآن خلافٌ كبير داخل (الكونغرس) "السلطة التشريعية" ومع الرئيس (ترامب) بشأن مطالبته بتمويل جدار على الحدود مع المكسيك. ووجدنا الخلاف يحدث أيضاً بين مؤسّسة وزارة الدفاع (البنتاغون) وبين الرئيس (ترامب) حول قراره بالانسحاب من سوريا وتخفيض القوّات في أفغانستان. وجرى التناقض في المواقف أيضاً بين (ترامب) وأجهزة المخابرات كلّها بعد لقائه مع (بوتين) في العام الماضي وإشادته بالرئيس الروسي، وبأنّه يُصدّق ما قاله (بوتين) حول قضية دور موسكو في انتخابات العام 2016، بينما، بعد أيام قليلة، أدان قادة الأجهزة الأمنية الأمريكية روسيا بسبب تدخّلها في تلك الانتخابات.

حتّى في مسألة العلاقة مع كوريا الشمالية حصل اختلافٌ كبير بين ما كان "يُغرّد" به (ترامب) وبين ما كان يصدر من مواقف عن عدّة مؤسّسات أمريكية، كوزراتي الخارجية والخزانة، إضافةً إلى التقييمات الأمنية والعسكرية التي لم تتوافق مع إشادات (ترامب) بزعيم كوريا الشمالية (كيم جونغ أون) وبمدى التزامه بإنهاء البرنامج النووي العسكري.

لذلك، لم يكن بالأمر الجديد أن يتراجع (ترامب) مؤخّراً عن قراره بالسـحب الفوري لقوّاتـه من سـوريا بعدما لمـس حجم الاختلاف معـه من عِـدّة جهاتٍ ومؤسّـسـاتٍ فاعلـة في صنع القرار الأمريكي، وبعدما سـمع من القادة العسـكريين رؤىً مختلفـة عمّا قرره بشـأن سـوريا وأفغانسـتان. وحتماً، قيل للرئيـس (ترامب) بأنّ التواجد العسـكري الأمريكي في سـوريا هو مكسـبٌ أمريكيٌّ مهمّ في مواجهة النفوذين الروسـي والإيراني بالمنطقـة، ولا يجوز التخلّي عنـه، وبأنّ الأمر لا يتعلّق بالحرب على "داعـش" فقط كما صرّح هو. فبعدما كانت روسيا وإيران هما القوّتان الوحيدتان، قبل العام 2011، اللتان لهما خصوصية الوجود والعلاقة مع سوريا، أصبح للولايات المتحدة وجود عسكري وقواعد على الأراضي السورية، وحلفاء محلّيون وإقليميّون تدعمهم واشنطن، ونفوذ على الحدود السورية مع الأردن والعراق وتركيا ممّا يُعطي الولايات المتحدة دوراً أمنياً وسياسياً هامّاً في تقرير مستقبل المنطقة ككل.

وحتماً قيل أيضاً (لترامب) بأنّ سـوريا ليسـت "رمالاً وموتاً" كما وصفها؛ بل إنّ المنطقـة التي تُهيمن عليها أمريكا من خلال دعمها للجماعات الكرديـة هي حوالي ثلث الأراضي السـوريـة، وفيها نحو 90 في المائـة من الثروة النفطيـة السـوريـة بالإضافـة إلى 45 في المائـة من إنتاج الغاز، وعليها ثلاثـة سـدود هي مصدر مهمّ للطاقـة الكهربائيـة ولثرواتٍ زراعيـة، كما توجد في مناطق شـرق الفرات أحد أكبر معامل إنتاج الإسـمنت في سـوريا، ويقع بالقرب من مدينـة (كوباني) وتملكـه شـركـة (لافارج) الفرنسـيـة. وتُنتج هذه المنطقة، المهيمَن عليها أمريكياً، إحتياجات سـوريا من القمح والشـعير والعدس إضافـةً إلى القطن، وخاصّـةً في محافظـة الحسـكـة بفضل المسـاحات الشـاسـعـة من الأراضي الخصبـة ووفرة الأمطار، وخاصّـةً تلك التي تقع بالقرب من الحدود التركيـة.

(راجع تقرير نشره موقع بي بي سي العربية يوم 28/12/2018).

لكن هل كان الرئيس (ترامب) يجهل هذه المعلومات كلّها عن سوريا وعن دور القوات الأمريكية هناك؟! ألم يشرح له ذلك وزير الدفاع المستقيل (جيم ماتيس) حينما اجتمع معه قبل إعلان قرار الانسحاب؟! طبعاً حصل ذلك، وطبعاً (ترامب) يعرف أهمّية استمرار الوجود الأمريكي في سوريا، لكن ما دفعـه إلى هذا القرار في تقديري هو الحاجـة الروسـيـة إلى هذا الأمر، وبالتالي (ترامب) مضطرٌّ إلى فعل شيء ما يُرضي موسكو بعدما عجز عن وقف العقوبات الأمريكية على روسيا ـــــ كما كان مستشار (ترامب) (مايكل فلين) قد تعهّد للسفير الروسي في واشنطن عقب فوز (ترامب) بالرئاسة ـــــ، بل إنّ العقوبات زادت بفضل ضغوطات المؤسّسات الأمنية والعسكرية الأمريكية.

ربّما كان (ترامب) يأمل بعد انتخابه أن "يشتري" سكوت مؤسّسة (البنتاغون) على أجندته ـــــ ومن ضمنها تحسين العلاقة مع موسكو ـــــ من خلال جعل ميزانية وزارة الدفاع أكثر من 700 مليار دولار، وأيضاً بتعيين جنرالات سابقين في إدارته: (جيم ماتيس) كوزير للدفاع، (جون كيلي) كرئيس لموظفي البيت البيض، و(ماكماستر) كمستشار لشؤون الأمن القومي. وربّما قام (ترامب) بذلك بناء على نصائح الجنرال السابق (مايكل فلين) الذي كان يلعب دوراً هامّاً في نسج العلاقة بين موسكو و(ترامب) وحملته الإنتخابية، وهو الآن يخضع لتحقيقاتٍ قانونية بسبب ذلك، وأُجبر على الاستقالة من منصبه مع بداية عهد (ترامب).

وربّما أيضاً ظنّ الرئيس (ترامب) أنّه باختيار مدنيين موثوقين منه (مثال: مايك بومبيو وجون بولتون) ومتّفقين مع أجندته، مكان الجنرالات السابقين، سيسهُل عليه اتّخاذ قراراتٍ صعبة تردّ "الجميل" لموسكو بعد عامين من انتخابه، خاصّةً في ظلّ وجود قاعدة شعبية مؤيّدة له داخل الولايات المصنّفة لصالح الحزب الجمهوري.

ما لم يُدركـه الرئيـس (ترامب) بعد، أنّ الفارق هو كبير جداً بين إدارتـه وظروف انتخابـه، وبين إدارة (جورج بوش) الابن التي وظّفت ما حدث من أعمال إرهابيـة في أمريكا في أيلول/سـبتمبر 2001 لصالح أجندة كان "المحافظون الجُدد" يُعدّون لها منذ منتصف حقبـة التسـعينات، وبتغلّل مسبَق داخل المؤسّسات الأمريكية الفاعلة بصنع القرار، ومن خلال زرع الخوف والرغبة بالانتقام لدى الرأي العام الأمريكي، وهذه كلّها عناصر غائبة الآن في عهد (ترامب) الخاضع لمسائلاتٍ حتّى من داخل حزبه، والمتصارع مع صُنّاع القرار الفعليين في الولايات المتحدة. فحينما "يُغرّد" ترامب ويُصرّح، انتظروا قليلاً قبل بناء المواقف لفهم حقيقة السياسة الأمريكية!

*مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

Sobhi@alhewar.com

بقلم/ صبحي غندور



مواضيع ذات صلة