2019-09-18الأربعاء
المدينة اليومالحالة
القدس7
رام الله7
نابلس9
جنين11
الخليل6
غزة12
رفح13
العملة السعر
دولار امريكي3.6452
دينار اردني5.1414
يورو4.2065
جنيه مصري0.204
ريال سعودي0.972
درهم اماراتي0.9925
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2019-01-24 04:08:23

افيف كوخافي… "نجم" جديد في سماء إسرائيل!

أكثر الدول فشلاً في العالم، وعلى مدى التاريخ، هي الدول التي تلجأ الى استخدام جيشها وقواتها المسلحة، بوتيرة عالية، مقارنة مع غيرها. وكلما كان عدد الحروب التي يخوضها جيش دولة ما أكثر، ووتيرتها أعلى، كان ذلك برهانا دامغا على بؤس وفشل سياستها. وبؤس السياسة وفشلها هو الدليل القاطع على أن الدولة المعنية "مش بِنت معيشة"، كما كان يكرر الروائي والقائد السياسي الفلسطيني الراحل، اميل حبيبي.
اسبارطة في التاريخ المغرق في القِدَم هي المثال. وهولاكو والتتار في التاريخ القديم هي مثال ثانٍ. و"الصليبيون"، او "الفِرَنجة"، (كما كان يطيب للزعيم الفلسطيني الخالد، ياسر عرفات، تسميتهم)، والذين حاولوا بغزوات استمرت مئتي سنة، السيطرة على العالم العربي، وقلبه فلسطين، في التاريخ الوسيط، هي مثال دامغ ثالث. أما المثال الماثل امامنا، في عصرنا الذي نعاني ويلاته، فهو إسرائيل.
يعرف كل عاقل، أنه كلما كان انتشار رجال الشرطة والأمن في الشوارع أكثر واكثف، كان هذا اثباتا على أن المجتمع المعني، هو مجتمع موبوء وغير سوي، ويقف على عتبة انهيار نظامه وسلطته. ننظر الى شوارع مدن الدول والمجتمعات المستقرة، ونقارن ما تراه أعيُننا هناك، بما نراه في شوارع مدن الدول والمجتمعات والأنظمة الموبوءة والآيلة الى السقوط والإندثار.
ليس غريبا، والحال كما نشاهده، ان تكون احدى أذكى واهم الملاحظات التي سجّلها المفكر الفلسطيني الكبير الراحل، ادوارد سعيد، إثر زيارته الأولى الى فلسطين، وتجوله فيها ومراقبة ما اجرته إسرائيل من تغييرات فيها، هي ملاحظة الْكَمّ الهائل من الجدران والحواجز والأسيجة والأسلاك الشائكة، حول كل ما وقع نظره عليه، حتى في الجليل والوسط والنقب. ونذكر في هذا السياق قول ذلك الأعرابي للخليفة الثاني من الخلفاء الراشدين،عمر بن الخطاب، "عَدَلتَ يا عُمر، فَأمنتَ فَنِمت". وأما من يحكم ولا يعدل، فيلجأ، مضطرا، الى الأسيجة والعوائق والأسلاك الشائكة، والى مواكب من سيارات الحماية.
سنعتاد ابتداء من أيامنا هذه وللمستقبل، على حفظ اسم "أفيف كوخافي"، الذي اختير وعُيِّن في الاسبوع الماضي رئيسا جديدا لهيئة أركان الجيش الإسرائيلي، جيش الاحتلال وجيش الاستعمار (المباشر على الأقل) الاخير في العالم، خلفا لغادي ايزنكوط. وفي دولة "حربجية" مثل إسرائيل، فإن هذا حدث يتصدّر الأنباء لنشرات على مدى ايام وايام. لكن ان تستمر مراسم وطقوس التعيين، والتسليم والتسلّم، ليومين متتالين ويزيد، وأن تشمل طقوسا وخطابات في كل موقع: في مقر وزارة "الدفاع" وورئاسة الأركان، وفي المقبرة العسكرية المركزية في "جبل هرتسل" (!)، عند المدخل الغربي لمدينة القدس، وفي مأدبة غداء احتفالية في بيت الرئيس الإسرائيلي، وفي باحة "حائط المبكى"، (البُراق اصلا)، ودسّ اوراق تمنيات بين حجارته، وكل ذلك تحت عدسات كاميرات في بث مباشر على مدى ساعات، فإن ذلك ليس أكثر من إسرائيل ومجتمعها ليست دولة سوية، ولا هو مجتمع سوي.

على أن المبالغة في ما قيل ونشر من قصائد ومعلقات مديح في وصف الجنرال افيف كوخافي، في هذه الاحتفالات المتواصلة، وتعداد "مناقبه"، فاق كل تصور، فهو قائد فذ، وشجاع، ومقدام غير هيّاب، بل ومفكّر استراتيجي، و"مبتكر لوسائل وأساليب مواجهات عسكرية"، (حيث قاد جنوده في مخيم بلاطة للاجئين، على حدود مدينة نابلس، لمواجهة صبية وشباب فلسطينيين يملكون مقاليع وأسلحة خفيفة، غالبيتها من صنع يدوي محلي، حيث "ابتكر" هذا الجنرال "المقدام" التجول والتقدم في المخيم البائس، ليس في ازقته الضيّقة، وانما باستخدام البلدوزرات لفتح ثغرات في جدران غرف البيوت، والانتقال من بيت الى بيت دون ان تطأ اقدامه واقدام جنوده طرق وازقة المخيم ولا عتبات ابواب بيوته.. حقاً انه "مبتكر" عسكري فذ!). وزادت "قصائد المديح" هذه الى كل ما تقدم، أن انعمت عليه بلقب "فيلسوف".
هذه التصرفات الممجوجة في تدبيج المدائح للجنرال كوخافي، دفعت عددا من الكتاب الإسرائيليين المعتدلين والليبراليين، (بالمقاييس الإسرائيلية طبعا)، الى توجيه الانتقاد للمبالغة، وصلت باحدهم أن قال ساخرا إن كوريا الشمالية أرسلت بعثة تتعلم من إسرائيل كيفية تنظيم الاحتفالات لتكريم القائد الفيلسوف. حقيقة هي انني لم اقرأ من قبل، عن اجتماع واكتظاظ كل هذه الصفات والمواهب، في اي قائد عسكري، او اي شخص وفرد واحد.. لا مونتيغمري البريطاني؛ ولا رومل الالماني النازي؛ ولا آيزنهاور، الأمريكي الذي كوفئ بانتخابه رئيسا للولايات المتحدة الامريكية؛ ولا حتى نابليون بونابرت. لقد وصل الامر بذلك الكاتب الإسرائيلي ان قال انه تخيّل وهو يقرأ عن مواهب كوخافي، إنه امام نسخة جديدة من الاسكندر المقدوني (ذو القرنين).
واحدة فقط من المعلومات عن كوخافي، جعلتني، الى حد ما، اتريث في تكوين صورة سلبية قاتمة السواد عنه. تلك كانت معلومة عن أطباق الطعام المفضّلة لديه، حيث كشفت أنه "نباتي"، أي ليس من أكَلَة اللحوم، ولا ابالغ اذا قلت إنني تفاءلت خيرا. لكن هذا الجنرال "الفيلسوف المبتكر الذي يفكّر خارج الصندوق"، (كما يقولون)، لم يكلّفني عناء الانتظار طويلا لتقييمه، وفق مقاييسي على الأقل. ففي اول تصريح له، في اليوم الأول لتسلمه موقع رئاسة أركان جيش الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي، ادلى بتصريحه الذي ركّز فيه على أنه سيعمل من خلال منصبه ليس انتصار الجيش الذي يقوده في أي معركة او حرب قادمة، او ان سيعمل على اعطاء جيشه قدرة على الردع لمنع اعتداء على إسرائيل، بل سيعمل بشكل مركّز على جعله "جيشا قاتلا، ناجعا وحديثا"، حسب الكاتب الفلسطيني، عودة بشارات، في مقاله في جريدة "هآرتس" الإسرائيلية، يوم الاثنين الماضي.
هكذا اذن.. فإننا مع جنرال "نباتي"..لكنه مفترس، هو لا يقتل الطيور ولا الدواجن، ولا حتى الحيوانات والفرائس البريّة، ولا يأكل لحمها. لكنه يفترس، ويدعو لافتراس وإراقة دماء الفلسطينيين والعرب.
حالنا مع هذه الدولة المارقة العنصرية صعب ودموي ومليء بالالم والمعاناة. عزاؤنا الوحيد، بل ربما نصف عزائنا، أنها دولة مؤقتة "مش بنت معيشة"، او كما عبّر عن ذلك شاعر فلسطين الخالد الراحل، محمود درويش، في قصيدته بعنوان "برقية من السجن": "في حجم مجدكمُ، نَعلي،.. وقيد يدي، في طول عمركمُ المجبول بالعارِ".
في إسرائيل هذه الايام معركة انتخابات حُدِّد لها يوم التاسع من نيسان/ابريل المقبل، وأبرز الجديدِين على ساحة الانتخابات هذه جنرال إسرائيلي آخر، هو بني (بنيامين) غِنتس، رئيس هيئة أركان جيش الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي الاسبق، و"بطل" (!) معركة/حرب "الجرف الصامد"، الذي تفاخر قبل يومين بعدد من قتلتهم وشوهتهم قواته في تلك الحرب، والحجم الهائل للدمار في قطاع غزة المنكوب بأعدائه ومناصبيه العداء وبقيادات الأمر الواقع فيه ايضا، واساساً.
لك الله يا فلسطين، ويا اهل فلسطين. عزاؤنا، او قل نصف عزائنا.. مرة أُخرى: هذه مرحلة بالغة القسوة، لكنها مرحلة قصيرة و"مش بنت معيشة".

عماد شقور

كاتب فلسطيني



مواضيع ذات صلة