المدينة اليومالحالة
القدس7
رام الله7
نابلس9
جنين11
الخليل6
غزة12
رفح13
العملة السعر
دولار امريكي3.6452
دينار اردني5.1414
يورو4.2065
جنيه مصري0.204
ريال سعودي0.972
درهم اماراتي0.9925
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2019-07-18 05:59:22

انتخابات جديدة في إسرائيل… وامتحان جديد لأيمن عودة

ليس طبيعياً أن تُقْدم طفلة على الانتحار، كل عملية انتحار هي عمل استثنائي لا يمكن تسجيله في خانة العادي، لكن أن ينتحر شاب مثلاً بسبب فشل مشين، أو أن ينتحر رجل بسبب إصابته بداء عضال لا شفاء منه، فذلك أمر قد يتفهمه بعض الناس، ولا يشعرون بتفاجؤ كبير من وقوعه. أما أن تنتحر طفلة فذلك أمر غير طبيعي على الإطلاق. لكن من قال، أصلاً، إن إسرائيل دولة طبيعية؟!
هذا هو بالضبط ما أقدمت عليه "الكنيست"، (وهي البرلمان الإسرائيلي)، قبل أن تكمل الشهر الثاني من عمرها القصير، في دولة كان يحب السياسي والروائي المبدع الراحل، صاحب شعار "باقٍ في حيفا"، إميل حبيبي، أن يكرر توصيفه لإسرائيل أنها "مش بِنت معيشة".
عندما فشل رئيس حكومة إسرائيل، بنيامين نتنياهو، من تشكيل حكومته الخامسة، من ائتلاف بين أحزاب الكنيست/الطفلة، وبهدف منع الرئيس الإسرائيلي، رِؤوفين ريفلين، من تكليف عضو آخر في الكنيست لتشكيل حكومة ترث حكومته وكرسيه، أقدم نتنياهو، مستعيناً بكل ما يمتاز به من خبث وذكاء، على التخطيط لحل الكنيست الوليدة، التي حرضها على "الانتحار" بحل نفسها، ووضع نهاية لحياتها، والتوجه لإجراء انتخابات برلمانية جديدة، بعد خمسة أشهر وثمانية أيام فقط على الانتخابات السابقة. وهكذا، فإن الكنيست التي تم انتخاب أعضائها يوم 9.4.2019، ستلفظ أنفاسها الأخيرة مع انتخاب أعضاء الكنيست المقبلة يوم 17.9.2019.
صحيح أن هذا شأن إسرائيلي داخلي، لكن كل حدث وشأن إسرائيلي له تأثير بالغ ومباشر على الوضع العربي بشكل عام، وأضعاف ذلك على الأوضاع الفلسطينية بشكل خاص. فكيف عندما يكون الأمر متعلقاً بانتخابات عامة هناك، تفرز برلماناً تتشكل من أحزابه وأعضائه الحكومة المقبلة، ويعطيها الثقة فتتابع سياساتها أو يحجب عنها الثقة، فتسقط لمصلحة حكومة تالية، وبرنامج سياسي لا يتطابق، بالضرورة، مع سياسات الحكومة السابقة.
بعد أسبوع واحد فقط على الانتخابات الإسرائيلية السابقة، نشرت لي "القدس العربي" مقالاً بعنوان "ماذا عن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة؟، لم أكن أتوقع، (ولم يكن غيري أيضاً يتوقع)، أن تكون هذه "المقبلة" مقبلةً بهذه السرعة. في ذلك المقال قلت: "حان الوقت لعمل جدي لتشكيل حزب من العرب الفلسطينيين في إسرائيل واليهود الليبراليين واليساريين العاقلين في إسرائيل، ليشكل هذا الحزب "بيضة القبّان" التي تمكن أهلنا في مناطق الـ48 للتأثير في السياسة الإسرائيلية لما فيه مصلحة هؤلاء الأهل، ولمصلحة مجموع أبناء شعبنا الفلسطيني في فلسطين وفي المنافي وبلاد اللجوء، ولليهود في إسرائيل أيضاً، وللسلام أيضاً وأيضاً".
وجهة النظر هذه، التي كانت صحيحة، في اعتقادي على الأقل، وهي تتعامل مع الاستعداد لمعركة الانتخابات المقبلة- أصبحت الآن مقنعة أكثر وأكثر، عندما نطبقها على الانتخابات المقبلة، وليس على معركة الانتخابات الحالية الهجينة، التي كانت هي المقبلة في حينه.
على الرغم من قصر الفترة الزمنية التي تفصل بين معركة الانتخابات السابقة والانتخابات الحالية، فإن تطوراً جذرياً حصل في هذه الفترة القصيرة.
في أيام معركة الانتخابات السابقة، نجح اليمين العنصري الفاشي المتطرف في إسرائيل، بقيادة نتنياهو، في جعل إمكانية تحالف أي من أحزاب الوسط أو اليسار، (بالمقاييس الإسرائيلية طبعاً)، مع الحزب أو الأحزاب العربية الفلسطينية في إسرائيل.. تهمة. بل وحتى اعتماد أي من الأحزاب اليهودية على الأحزاب العربية، أو حتى على بعض أعضائها، كـ"كتلة مانعة"، تهمة أيضاً. للتوضيح:

1ـ إثر فشل نتنياهو في تشكيل ائتلاف حكومي، من حزبه، الليكود، ومن الأحزاب الدينية المتزمتة، "الحريديم"، وهما حزبا يهدوت هتوراة وشاس، وحزب كولانو بزعامة موشي كَحَلون، تواصل نتنياهو، بمبادرة منه، مع أعضاء كنيست من الكتلتين العربيتين، وعرض عليهم إغراءات/رشوة، مقابل تشكيلهم "كتلة مانعة" تحول دون إمكانية أحزاب المعارضة من إسقاط حكومته. هكذا قالت وسائل إعلامية إسرائيلية، دون صدور نفي مقنع من نتنياهو وأوساط محيطه.
2ـ سمعنا وقرأنا تسريبات عديدة تنسب لمسؤولين في حزب "كحول لفان"، (أزرق أبيض، وهما لونا العلم الإسرائيلي)، وهو الحزب الذي يتساوى عدد المقاعد التي يشغلها في الكنيست مع عدد مقاعد حزب الليكود، تقول هذه التسريبات إنه تراجع عن قراراته المعلنة السابقة بأنه لن يتعامل مع العرب الفلسطينيين في الكنيست، لا كحلفاء، ولا ككتلة مانعة أيضاً.
3ـ نجاح عمير بيرتس في المنافسة على رئاسة حزب العمل الإسرائيلي، مع ما هو معروف عنه، وهو المغربي الأصل، من عدم التردد في التعامل الإيجابي مع الفلسطينيين بشكل عام، ومع الفلسطينيين في إسرائيل بشكل خاص، يفتح باباً للاعتقاد بإمكانية بناء تحالف معه ومع حزبه، وفق شروط واضحة وصريحة.
4ـ أسفرت الانتخابات الداخلية في حزب ميرتس الإسرائيلي قبل أسبوعين، عن تطورات إيجابية توحي بإمكانية تشكيل تحالفات حزبية بين ميرتس وأحزاب يهودية أخرى، لا ترى في الفلسطينيين الذين يحملون بطاقة الهوية الإسرائيلية "طابوراً خامساً". ويناصرون ويعترفون، إلى حد بعيد، بالحقوق الفردية للفلسطينيين في إسرائيل، وحقوقهم كأقلية قومية.
هذه التغيرات في مواقف أحزاب إسرائيلية مركزية ورئيسية في إسرائيل، وما رافقها من موجة مقالات رأي في صحف إسرائيلية، توحي بإمكانية فتح ثغرات في جدار المجتمع اليهودي الذي اتخمته القيادات العنصرية الإسرائيلية بأطباق دسمة من العنصرية والتمييزالعرقي والديني، ومن الكراهية المَرَضية لكل ما هو فلسطيني.
لا تستهويني العبارات المكررة، من طراز "الكرة الآن في ملعب"..، لكنني لا أرى غضاضة في القول إن الكرة الآن في ملعب المجتمع العربي في إسرائيل. وأكثر من ذلك في ملعب الأحزاب السياسية في هذا المجتمع، وتحديداً في ملعب قيادات هذه الأحزاب، وأكثر من ذلك: أمام قدم أيمن عودة، رئيس القائمة المشتركة سابقاً، ورئيس "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة"، ورئيس قائمتها في معركتي الانتخابات السابقتين، وفي الانتخابات الحالية.
في الانتخابات قبل السابقة، وفي الكنيست التي تشكلت بفعل تلك الانتخابات، ارتكب أيمن عودة أخطاء يمكن غفرانها وتجاوزها، لأنها أخطاء مبتدئ، في ظروف صعبة، تحت موجة غيرة وعداء ممن كان يفترض فيه أن يكون معينه ومستشاره وناصحه الأمين. لكنه لم يكن كذلك، ووقع ضحية أذنه التي انصتت لهمس خبيث. وسمعه كثيرون في نقاشات حادة يقول: "سأسحقه".
في الانتخابات السابقة، ارتكب أيمن عودة خطيئة تحالف مرفوض وطنياً. ومع شق حليفه في تلك الانتخابات لـ"القائمة المشتركة"، عاقبت جماهير الفلسطينيين في إسرائيل، أحزابها، وقياداتها تحديداً، بما استحقته من عقاب عن جدارة: (1) خفض نسبة مشاركة هذه الجماهير في الانتخابات من 60٪ الى 48٪. (2) خفض عدد أعضاء الكنيست لوريثتي القائمة المشتركة من 13 عضواً إلى 10 أعضاء. (3) بفعل حكمة هذه الجماهير، أعطت نسبة أصوات لحزب ميرتس اليساري، تفوق أربعة أضعاف ما أعطته في الانتخابات السابقة: 40000 صوت من نسبة مشاركين في الاقتراع (48٪)، مقابل 12000 صوت من نسبة مشاركين في الاقتراع (60٪).
أمام أيمن عودة اختبار صعب: إما أن يثبت أنه جدير بالقيادة، بأن لا يخضع لأي ابتزاز، وأن يتمسك بثوابته الوطنية المشهودة، حتى ولو كان التمسك بها صعباً، وأهمها وأولها التطلع والعمل الجاد للمشاركة، (نعم المشاركة)، في صناعة ورسم السياسة الإسرائيلية، أو التنحي جانباً.
استعيد في هذا السياق ما نادى وبشّر به الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو، (صاحب نظرية الفصل بين السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية)، من أنه يجب أن يكون لدى الدولة والمجتمع ثلاثة أحزاب: يمين ووسط ويسار، وأي واحد من هذه الأحزاب لم يصل إلى تسلّم السُّلطة، أو المشاركة فيها، في ذلك المجتمع أو تلك الدولة، خلال خمسة عشر عاماً، يتوجب عليه أن يحِلَّ نفسه، ليفسح مجالاً لوريث جديد، يسعى للوصول إلى السلطة، أو المشاركة فيها، على الأقل.
لنتعلم من شيلي يحيموفتش. اعتزلت الصحافة وانتقلت إلى العمل السياسي الحزبي سنة 2006، حيث انضمت إلى حزب العمل، وأصبحت عضواً في الكنيست.تولت منصب رئاسة العديد من اللجان في الكنيست، بما في ذلك منصب رئيسة المعارضة، لم يشارك حزبها في الحكومات المتعاقبة، ولم تتولَّ هي أي منصب وزاري، بدأت في المعارضة، واستمرت في المعارضة 13 سنة. أمس الأول، أعلنت يحيموفتش اعتزالها العمل السياسي الحزبي. هذا درس لكل من يبقى في المعارضة عقوداً متتالية. شكراً شيلي يحيموفتش.

  عماد شقور

كاتب فلسطيني



مواضيع ذات صلة